
لقد بدأ التفكير فعليا في العمل الجاد ومحاولات سد الثغرات في التكوين والأهليّة، منطلقا من قاعدة جديدة وهي أن “الدبلماسية بدون إنجليزية كالصلاة من دون وضوء للقادر عليه …وسأعمل في الوقت بدل الضائع على تلافي هذا النقص الحاد ، و”سأُثني ركبتي” أمام شاشة التلفاز التي – تشغل نصف مساحة الصالون- وأبدأ في متابعة نشرات أخبار قناة الصين الدولية CGTN وحواراتها ووثائقياتها، وأوثق صلات التعارف والصداقة مع المحور الآنكلوساكسوني من الدفعة وأخفّف، بخصمِِ من الوقت ، مع المحور لفرانكفوني …
وأثمرَ هذا “الكونفور” الجديد في التفرغ وتراجعُ مستوى الضغط، التفكير الجاد في تجسيد مبادىء المركز في تعزيز الدبلماسية الثقافية بين أمم شتى لايربط بينها الا شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهم قلة في البرنامج ، وأمة عريضة تختزل باقي ديانات العالم الأخرى.
الصين أمة عظيمة… ولها قدرة صهر “الكل” لخدمة أهدافها ورسالتها العالمية المحددة المعالم بدقة .. وستأكلُ كل هذه المِللُ والنِحلُ من اطباقها المتنوعة وستُنظمُ لكل منها طقوسه الدينيية وأعياد ميلاده كما اعتاد في بيته وبين ذويه في الوطن ..
تماما ، كما صمنا نحن المسلمين رمضان بكل التسهيلات المطلوبة ونُظم لنا الإفطار الجماعي، في موعده إذا صادف وكنا على سفر أوخارج مقر الإقامة…
وفي هذا التنقل الدبلماسي بين أصدقاء الدفعة من كل الأديان استطعت، وفضلا عن تجسيد دروس البرنامج تصحيح الكثير من الشبهات وسوء الفهم عن ديننا الحنيف ، وسماحته مع غيره من الأديان، واستغربَ بعضُ الأصدقاء المسيحيين من حجم المواساة والتربيت مني على أوجاعهم وهم يتألمون بعيدا عن أوطانهم… فلم تأخذني العزة بالكِبرِ ، في أن طهوا لهم بكلتا يديَّ أطباق وطني، وأقدمها لهم قربانا للمودة والسلام والمحبة، كما أوصانا ديننا بذلك .. ولم تأخذني كذلك العزة في أن دني لهم منكبي حتى يستندوا عليه ويتشبثوا به ، وهم في عز العِلة والمرض بعيدا عن الاهل والسند.
فكان من نتاج هذه ” الدبلماسية ” تصحيح تلك المفاهيم المغلوطة والملصقة بديننا، والأوصاف المعروفة في مفردات الدعاية المضادة ..
أما جانب الدفاع عن البلد وسمعته ، فالوسام ذاته في الدين ، استلمته من أصدقائي من المحيط الإفريقي المتاخم والبعيد، ،ومنهم المسلمون، وسيتذكرون حين يترجمون هذا النص تلك المشاعر المفعمة بالود التي خاطبوني بها واعتذروا لي عن كل ما كانوا يحملون عن وطني في مجال حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، والصور المشوهة ، التي كانت تصلهم وتتناقض مع مالمسوا من معاملتي معهم في المِحنة ، وأنهم باتوا يحملون صورة مغايرة عن وطني وهذا، بنظري، هو دور الدبلماسية “التأليفية” و”التصحيحية ” للمفاهيم المغلوطة عن البلد ،واعتبرت ذلك مكسبا وانجازا هاما، لأن كل خصم، ومغاضب، يراجعُ موقفه إزاءك ويقبل بالصداقة ، يمثل قوة جديدة لصالحك ستخدمك، وتخدمُ لك ، وتنافح عنك !
……..
وفي أتون التقلب بين هذه الأدوار ، وموازاة مع النشر المتكرر لأنشطة المركز على الفيسبوك وبعض المواقع الوطنية…. تصلني دعوة من إدارة المركز لم أكن أحسب لها حسابا…
إننا ندعوك لمهمة فرز طاقم عمل جديد سيكتتبه المركز، لمرافقة الدفعات العربية التي ستبدأ في التوافد مطلع العام القادم على الصين !!
أي وسام !؟
وأمام طالبتين جامعيتن أفئدتهن هوى من هول الإمتحان ، والشغف بالنجاح، والآمال العريضة المعلقة على عنوان جديد في الدبلماسية الصينية العالمية، أحسست بضعف داخلي قوي ، وضيقِ هامش المناورة بين وظيفة رئيس لجنة التحكيم المؤتمنِ على مستقبل المركز، ومحطّ ثقته، وبين شخصي الضعيف الذي تعيث فيه دموع المرأة وتزعزع توازنه…
وبمنهجية موحدة أستطيع من خلالها النفاذ إلى القدرات اللغوية للمترشحتين وتحديد مستوياتهما كان الإمتحان من ثلاثة أسئلة فقط :
ماهي الدواعي التي قادتك إلى خيار العمل في المركز ؟ وكيف ستكون طريقة المراوحة بين الوظيفة الجديدة والدراسة الجامعية ؟ ولماذا اخترت اللغة العربية كتخصص في دراستك الجامعية ؟!
وبتنسيق محكم … أو بالصدفة المحضة ، وجدتني أمام “رشوة “مغرية قل أن يتماسك إزاءها مسلم من أمة المصطفى محمد في بلد كالصين !!
رشوة أوحت لي بالتساؤلات التالية….
هل أتعامل معهما بالصرامة العلمية أم بالمرونة الدبلماسية، ؟وهل أضع جانبا كل التسهيلات التي حظيت بها للمشاركة في البرنامج وأتنكر للمعروف السابق وأعاملهما بمنطق الاستحقاق الصارم؟
ماذا أفعل؟!
سأواجه أعظم صعوبة في الحياة ، وأنا أحرر للمركز محضر “مداولات” التقييم، وسأكتب التقرير بلغة من ثلاث لغات ،اللغة الدبلماسية، ولغة العاطفةوالرحمة، ولغة مختبر التقييم…
وسأقرأ في وجوه “طلبتي”، وأنا في الشهر قبل الأخير من نهاية البرامج ، ملامح مِني أيام كنت أرتعشُ على العتبة الأولى من البرنامج، واليد السفلى التي لاحول لها ولاقوة ، واليوم ها أنذا اليد العليا التي تُرهبُ سطوتها، ويُخشى قرارها !
يتواصل… وينتهي …في ختام الاسبوع القادم..



