آراءتغريدات

قوة في الحضور… وشمول في الرسالة

الشيخ ولد المامي

لقد شكل مؤتمر السلم الإفريقي في نواكشوط، في دورته الحالية، لحظة تاريخية تتكثف فيها حاجة القارة إلى صوتٍ عاقل، وإلى مرجعيةٍ علمية قادرة على إعادة ترتيب الأولويات في زمن الاضطراب.

وقد عكس حجم الحضور، وتنوع المشاركين، وثراء النقاشات، نجاحًا نوعيًا يتجاوز معيار التنظيم إلى عمق التأثير واتساع الدلالة.

بدت نواكشوط، خلال أيام المؤتمر، نقطة التقاء لخرائط متعددة: علماء، ومفكرون، وصنّاع قرار، وفاعلون مدنيون، جاؤوا من مشارب فكرية وجغرافية مختلفة، يجمعهم إدراكٌ متزايد بأن السلم أصبح ضرورة وجودية للقارة الإفريقية، بل وللعالم بأسره.

وهذا الحشد في ذاته رسالة؛ رسالة مفادها أن خطاب السلم قادر على أن يستقطب، وأن يجمع، وأن يؤسس لمساحات مشتركة رغم تباين المرجعيات.

في قلب هذا المشهد، يبرز الوزن العلمي والرمزي للعلامة عبد الله بن بيّه، الذي لم يعد اسمه مرتبطًا بجغرافيا بعينها، وتحوّل إلى مرجعية عابرة للقارات.

إن القبول الذي يحظى به في آسيا وإفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، والاحترام الذي يلقاه في الأوساط الأكاديمية والدينية وصالونات القرار، كان حصيلة عقود من التراكم العلمي، والرؤية المقاصدية العميقة، والقدرة على مخاطبة العالم بلغة الاتزان والحكمة.

لقد أثبت المؤتمر أن قوة الفكرة حين تسندها مرجعية راسخة، تتحول إلى قوة حشد، وأن الرسالة حين تكون شاملة في أفقها الإنساني، تتجاوز الحساسيات الضيقة؛ ومن هنا يمكن فهم حجم التفاعل الذي صاحب الحدث، إيجابًا وسلبًا.

إن الهجمة التي شنّتها بعض التيارات على المؤتمر، قد كشفت – في جانب منها – عن ارتباك أمام تمدد خطاب السلم واتساع دوائره؛ فكل مشروعٍ يؤسس لمنطق التهدئة والتقارب، يربك بطبيعته سرديات تقوم على الصدام والتعبئة.

غير أن المفارقة اللافتة أن تلك الحملات، بدل أن تُضعف المؤتمر، أسهمت في تسليط الضوء عليه، ومنحته انتشارًا أوسع مما كان متوقعًا؛ إذ تحولت الانتقادات إلى دعاية غير مقصودة، وأثارت فضولًا مشروعًا لدى كثيرين للاطلاع على مضامينه بدل الاكتفاء بالأحكام المسبقة.

إن رسالة السلم التي يحمل مشعلها العلامة بن بيّه أصبحت مشروعًا فكريًا متكاملًا، يقوم على إعادة قراءة التراث في ضوء مقاصده الكبرى، وعلى ترجيح منطق العمران على منطق الهدم، والتعاون على التنازع، والتعارف على التصادم.

وهي رسالة تجد اليوم في إفريقيا تربة خصبة، حيث تتقاطع تحديات الأمن والتنمية والهوية، وحيث الحاجة ماسّة إلى خطابٍ يعيد الاعتبار لفكرة المشترك الإنساني.

لقد خرج مؤتمر نواكشوط وهو يكرّس معادلة واضحة: أن السلم حين يُبنى على معرفة راسخة، وإرادة صادقة، ورؤية تتجاوز اللحظة إلى المستقبل، يتحول من شعار إلى مسار؛ وأن موريتانيا، عبر علمائها ورموزها، قادرة على أن تكون منصة لإنتاج هذا المسار، لا مجرد متلقٍّ له.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى