
كفي خواتيم هذا الشهر( فبراير ) من العام 2018 حطّت بي الطائرة في مدرج مطار بيكين الدولي ..للمشاركة في برنامج دولي حول الإعلام والدبلوماسية، يشارك فيه زهاء خمسين بلدا من افريقيا وآسيا ولاحقا آمريكا اللاتينية..
ونزلت أحمل معي حقيبتن..إحداهما ملأى تكاد تنفجر، والثانية خفيفة، وضئيلة جدا .
كانت الحقيبة الأكبر تحمل معها كل تراثي وتراث الأجداد، وبطولاتهم وصولاتهم وجولاتهم في الإحسان والبر والعطاء السخي، وخوارق شيوخي الصالحين، وشجرة نسب القبيلة والترتيب في هذه الشجرة ، والأحداث المشهودة التي راكم الأجداد ، وخلفوا لنا كمجدِِ تليد يصنع لنا الفخر والاعتزاز ، والصيت الحسن بين القبائل والتحالفات..
أما الحقيبة الثانية فكانت خفيفة وهزيلة جدا ، لاتتجاوز مؤهلا علميا متواضعا، لايشفع له تكوين مستمر ، ولا نهمُُ معرفي متأصّل ، للتطوير والإستزادة..
انقطعت صلتي بالوطن وأصبحت وجها لوجه مع الحقيقة الصعبة، فإما السباحة أو الغرق ، ولاشيء يشفع لي هنا في مضمارِ هذا التغابن الجديد، والمنافسة الشرسة لانتزاع لقب التميز وترك البصمة والأثر المشرف في ختام ورشات البرنامج بعد عشرة أشهر قادمة !
كنت “معوقا” لغويا ، فلغة العمل هنا إنجليزية محضة ، وبدونها ، أهلا بك في لغة الإشارة ! أما اللغة الفرنسية والعربية فليستا محل ترحيب في بلد الضيافة…(أوعلى الأقل في هذه النسخة من البرنامج )
كان كلُ ماقدِمتُ به معي من الوطن مُنتهِي الصلاحية، أما سلسلة النسب “المشرّفة” والمترابطة الحلقات والموثّقة حتى بطون قريش، وربما إلى نوح وآدم عليهما السلام ، فلم تكن تغري أبدا الأمة الصفراء ، التي لايتجاوز الإسم، وشجرة النسب فيها صوتين متتالين ؛ على نحو رشقتي حجر على بلّور شفاف !
تذكرت هنا ” نبوءة” أستاذتي في الانجليزية الدكتورة عون الله ، عامي الأول في الجامعة، حيث توددت لها ذات مرة ، لإعفائي من اللغة الإنجليزية ،مبررا لها هذا الخيار بضعفي الشديد في المادة، وقدرتي على تعويض نقاطها بباقي مودِيل اللغات والترجمة، فابتسمت وقالت لي بنبرة ساخرة : أنت فكرك صغير ياولدي!
… وماذا ستفعل إن قُدر لك أن تزور الصين في محطة من محطات عمرك ، وأضافت.. إن الانجليزية ستكون يوما ما لغة العالم أجمع ، وستلتهِم كل اللغات الأخرى …! فكر مليا ، وراجعني في الحصة القادمة… تضيف الأستاذة ..
… كان هذا في التسعينات، وكانت هي متقدمة في العمر على النحو ، من جدة ثانية ، رحمها الله إن كانت قضت، وأعانها وخفف عليها وطأة الكِبرِ ، وأحسن خاتمتها ، إن كانت لاتزال تُرزق ..
… أنت في الصين تساوي بمقدار ماتشغل من مساحة الفكر والعلم والقدرة على الانتاج والإبتكار والموهبة ، ولاشفيع لك إذا بطّأَ بك عملك، ولو طار بك نسبك ، كما لا شفيع لك إذا خانتك صحتك … وكنت شاهدا على رحيل أصدقاء للتو تعارفت معهم في البرنامج ،وفي الغد ،أبلِغنا أنهم عادوا في جنح الظلام لأوطانهم بسبب وضعهم الصحي وعجزهم عن المواصلة !
تقتضي أعراف البرنامج الممول من الوزارة الخارجية الصينية أن تُحتضن بدفء في الشهر الأول وذلك بأخذك في جولة سياحية تجوب خلالها معالم الصين القديمة، في بيكين وضواحيها ، وتُسَلّمَ ظرفا ماليا مُجزيا، يسمح لك باقتناء كل مستلزماتك الضرورية للإنطلاقة الحيوية والنشطة ، ثم تسير خلف أدلائك ، كالملك المُظفّر، للوقوف على عجائب هذا البلد العمرانية والحضارية التي لاتزال صامدة منذ قرون ..
المدينةُ المحرمة …وسورُ الصين العظيم ، والقصر الإمبراطوري، ومعبد السماء ، وساحة أتيان آن مين ، وغيرها كثير… هي المنطلقُ الأول في رحلة ” التعميد” الحضارية الإجبارية على وافد مبجّل يحل ضيفا على البلد ، والصعقة “الكهربائية” المنهجية لتوسيع قنوات مداركه للتعود من الآن فصاعدا على تقبُّل ماهو أضخم وأعظم وأوسع وأفخم … وكل مستويات المبالغة وتجاوز الحدود ،في صُنع البشر ،وآلة قهرِ الحديد والحجر ..
ينتهي شهر العسل سريعا ، ويبدأ الجِدُّ والعمل، ومراقبة ساعة الدوام ، لأن الدقيقة في هذا البلد كشهرِِ مما نعدُّ ، وأي تأخير عن الوقت هو خصم من الثقة ، وإخلال بأعراف الدبلماسية التي من أجلها سُنّ هذا البرنامج ووُضعت خطة عمله …
يزداد التوتر ، ويرتفع ضغط الآدرينالين، أمام حماس الرفقة المندفعة اندفاعا للعمل بكل عدتها وعتادها المعرفي ولغات الدنيا، ومستجدات حقل التخصص !
وبما أنني في بلد جديد، لايقيم وزنا للخلفية الدينية للوافد، ولا “لصلاح وبركة” سلَفِه ، ولاتعرف مثل هذه الإعتبارات تفاعلا خاصا، كنت في موقع المضطر إلى الإفصاح لمدير البرنامج عن حقيقتي المرة ،وعجزي اللغوي والرقمي، وأكشف له كل المستور من حالي، فإن رضيّ به فنعما، وإن اعترض … فالعودُ أحمدو، … هذا طبعا ، إذا لم تَختصر عليّ الفحوصات -التي مازالت في المداولات – الطريق وأغادرُ حينها عن بيّنة…
عرفت يومها أنني تورطت في _ ما فات من العمر- في مالاينفعني في مستقبلي، وأهدرت رصيدا من الوقت كان بالإمكان توظيفه التوظيف الأحسن ، والإعتماد عليها بعيدا عن اعتبارات ، عديمة الصلاحية خارج الوطن !!… هلك عنّي سلطانيه!
… من أعراف البرنامج كذلك أنك تُقدِم نفسك أمام “ثلث العالم” في قاعة “الصدى الأكبر”، وعارُُ عليك إن تلعثمت في تسويق نفسك، أو كنت من الغائبين، وهم حضور…!!
أكتفي هنا ، ويتواصل..



