آراءتغريدات

عيد الربيع الصيني 2026 ورمزية الحصان.

بقلم الصحفي الصيني لي قانغ من قناة CGTN العربية التابعة لمجموعة الصين للإعلام)

في العادة تحتفل كل شعوب العالم برأس السنة الجديدة، والصينيون ليسوا استثناء في ذلك، لكن ما يميزهم هو احتفالهم برأس السنةالجديدة حسب التقويم الزراعي الصيني أي ما يعرف محليا باسم”عيد الربيع” أو بالدارجة “قوه نيان”، والذي يعد أهم الأعياد التقليديةفي الصين، وقد تم إدراجه ضمن قائمة (اليونسكو) للتراث الثقافيغير المادي في ديسمبر 2024.

يعتمد الناس في المجتمع الصيني على التقويم الزراعي لتحديد مواعيد الأعياد والمهرجانات طوال العام، وكل عام يتخذ من أحدحيوانات الأبراج الصينية الاثني عشر بشكل دوري رمزا له، والعام الجديد الصيني الذي سيحل في 17 فبراير الجاري يصادف عامالحصان.

ويحتل الحصان مكانة مرموقة في الثقافة الصينية التقليدية، فهو لايقتصر على كونه الحيوان السابع في ترتيب الأبراج الصينية فقط بليكتسب دلالات رمزية متعددة أبرزها النجاح والتقدم، الطموح والوفاءبالوعد، الإخلاص والتفاني، النشاط والحيوية.

مكانة الحصان تضاهي مكانة التنين

من المعروف أن الصينيين يطلقون على أنفسهم لقب “أبناء التنين”،والتنين مخلوق أسطوري لا وجود له في الواقع، وهو طوطم الأمةالصينية. وتجدر الإشارة هنا بالطبع إلى أن التنين أو “اللونغ” فيالثقافة الصينية يختلف تماما عما تصفه وسائل الإعلام الغربيةبـ”الدراغون” أو “التنين” الذي يرمز إلى النار والشر والرعب. فالتنينالصيني يرتبط عادة بالماء والسحب، ويرمز إلى البشرى والنبلوالبركات والخير وغيرها من الدلالات الإيجابية. وكان نسل الأباطرة فيالعصور القديمة يُسمَّون “أبناء التنين وأحفاده”، ولذلك يشيع فيالصينية قولُهم: “يتطلّع الوالدان إلى أن يصبح ابنهما تنّينا”، أي أنيحقق نجاحا باهرا.

يقول المثل الشعبي: “الحصان والتنين متشابهان بنسبة ثلاثين بالمئة” مما يعكس المكانة الرفيعة التي يحتلها الحصان في وجدان الناس. لذايمكن القول إن مكانة الحصان تضاهي مكانة التنين في الثقافةالصينية. وإذا كان التنين كائنا خارقا يسبح في الماء ويحلّق فيالسماء، فإن الحصان “تنين يركض على اليابسة”.

كما يستخدم الصينيون عبارة “روح التنين والحصان” للدلالة علىالحيوية والعزيمة والإقدام رغم الصعوبات، وهذا المعنى يلتقي فيدلالته مع ما يعكسه المثل العربي القائل: “الخيل تجري علىمساويها”.

الكفاءة والذكاء

يعتبر الحصان رمزا لأهل الكفاءة والصلاح في المجتمع الصيني منذالقدم. وكان الموهوب المتفرد يُشبَّه غالبا في الشعر القديم بـ”الفرسالذي يقطع ألف ميل في اليوم” أي الجواد النادر رفيع الشأن، وهذايتماشى مع المثل العربي القائل: “أشد من فرس”.

وقال الأديب هان يوي (768-824 الميلادي) في عهد أسرة تانغ فيمقاله «حديث عن الخيل»: “إن خيل الألف ميل كثيرة، ولكن (بو له) العارف بها نادر”. ويُقصد بـ(بو له)الخبير البارع في تمييز أجودالخيل، وقد أصبح رمزا لمن يُحسن اكتشاف المواهب وتزكيتها، ويتمتعببصيرة نافذة.

كما كتب الشاعر تشيو يوان في عهد أسرة يوان(1206-1368 الميلادي) في إحدى قصائده: “قولوا للذين ينتقون الجياد الأصيلة: لاتنظروا إلى كون الفرس ذكرا أم أنثى، ولا إلى لونها أسود أم أصفر،فالحصان الحقّ لا يُقاس بمظهره، بل بروحه وهيبته المعنوية”.

وفي قصور الأباطرة القدامى، كثرت اللوحات والنقوش البارزة التيتتخذ من الحصان موضوعا لها، في دلالة رمزية على احترام الحكّاملأعمدة المجتمع من ذوي الكفاءة، وتجسيدا لتطلعهم الصادق إلىاستقطاب أهل المواهب لمساعدتهم على إدارة شؤون البلاد.

الطموح والشجاعة

في عصر الممالك الثلاث، حين كانت الصين تعيش حالة انقسام بسببالحروب المتواصلة، عبّر تساو تساو(155-220 الميلادي) الحاكم الذيسيطر على الشمال عن طموحه في إعادة توحيد البلاد بقوله الشهير: “الجواد العجوز وإن لزم مربطَه، فإنه يظل يطمح إلى قطع ألف ميل؛والرجل الشريف وإن بلغ أرذل العمر، لا تنطفئ عزيمته”.

ولا شك أنّ الحصان الذي قصده تساو كان حصانَ حربٍ خَبِرَ ميادينَالقتال. فالحصان ارتبط عبر التاريخ بالحرب والشجاعة والفروسية،وهو ارتباط نجده مشتركا مع الأدب العربي، كما قال عنترة بن شداد: “هَلّا سَأَلتِ الخَيلَ يا ابنَةَ مالِكٍ ** إِن كُنتِ جاهِلَةً بِما لَم تَعلَمي”، فيدلالة على أن الجواد شاهد على بسالته وقوته.

لم يكن الحصان وسيلة نقل فحسب، بل كان أيضا عنصرا عسكرياأساسيا، حتى عُدَّ معيارا لقوة الدولة. فقد استخدم الحكيم الصينيكونفوشيوس (551-479 ق.م.)مصطلحات مثل “دولة العشرة آلافعربة” للدلالة على الدولة العظمى، و”دولة الألف عربة” للدولة المتوسطة،و”دولة المئة عربة” للدولة الصغيرة.

وكانت تجرّ “العربة الحربية” أربعةُ أحصنة، وعلى متنها ثلاثة مقاتلين،يرافقهم اثنان وسبعون من المشاة وخمسة وعشرون من أفراد الدعم،أي ما مجموعه مئة رجل تقريبا. وبذلك كانت “دولة الألف عربة” تشيرإلى قوة عسكرية تقارب مئة ألف جندي.

وعند وصف جيشٍ عرمرم ذي بأس، يقال في الصينية “ألف جيشوعشرة آلاف حصان”، تعبيرا عن الكثرة والقوة. وقد خُلِّدت في التاريخالصيني أسماء خيولٍ حربية شهيرة، مثل الحصان “وو تشوي” الذيامتطاه القائد شيانغ يو(232-202 ق.م.)، والحصان “دي لو” الخاصبالملك ليو بي(161-223 الميلادي)، والحصان “تشي تو” الذي اشتهربه الجنرال قوان يو (163-220 الميلادي)، وهي أسماء لا تزال معروفةلدى عامة الناس حتى اليوم.

الإخلاص والتفاني

أصبح الحصان “تشي تو” الذي ذكرناه سالفا رمزا للإخلاص فيذاكرة الصينيين. ففي الفترة ما بين عامي 190 و280م، انقسمتالصين إلى ثلاث ممالك: دولة وي في الشمال بقيادة تساو تساو، ودولةشو في الجنوب الغربي بقيادة ليو بي، ودولة وو في الجنوب الشرقيبقيادة سون تشوان (182-252 الميلادي).

وفي عام 200م، دارت معركة في شيويتشو بين تساو تساو وليو بي،فانهزم الأخير وفرّ. وأُسر الجنرال قوان يو، أخو ليو بي بالولاء، بعدمابقي لحماية زوجتي ليو. أُعجب تساو تساو بشخصية قوان يو وأراداستمالته، فأغدق عليه الهدايا الثمينة. واضطرَّ قوان إلى الاستسلاممؤقتا خوفا على سلامة الزوجتين، شرط أنه متى علم بمكان أخيه ليوفسوف يغادر فورا للالتحاق به.

وفي رواية «الممالك الثلاث»، يُذكر أنه حين أهدى تساو الحصان”تشي تو” لقوان انحنى الأخير مرتين كتعبير عن شكره، ودار بينهماالحوار التالي:

تساو: “أهديتُك الكثير من الذهب والجَواري لكنك لم تنحن أمامي،واليوم أهديك حصانا فتنحني مرتين، فهل الحصان أغلى من باقيالهدايا؟”

قوان: “أعلم أنّ هذا الحصان يقطع ألف ميل في اليوم، وبفضلهأستطيع الوصول إلى أخي ليو في يوم واحد متى عرفتُ مكانه.”

وفي تلك اللحظة، لم يعد الحصان مجرد دابة، بل صار رسولا بينالأخوين.

بعدها أُسر قوان يو وقُتل في حربه مع دولة وو، فوهب الملك سونتشوان الحصان “تشي تو” إلى أحد جنرالاته. غير أنّ الحصان حزنعلى صاحبه فامتنع عن الطعام ومات، ليُجسّد في المخيال الصينيصورة الإخلاص المطلق. وهذه القصة تعكس إخلاص قوان لأخيه ليووكذا إخلاص حصانه له في آن واحد.

الصدق والوفاء بالوعد

من الأمثال الصينية الشهيرة قولهم: “كلمةُ الرجل الفاضل، ولو سارتبها أربعُ خيول، لا يمكن استرجاعها”. ويعني ذلك أنّ الوعود متىخرجت من الفم لا يمكن التراجع عنها، في تأكيد على أهمية الالتزامبها.

وبدوره يروي كتاب «هانفي تسي» قصة عن وفاء الحصان، إذ ضلَّجيش الملك تشي هوان قونغ (القرن السابع قبل الميلاد) في أحدالوديان، فقال الوزير قوانتشونغ: “يمكننا الاستعانة بذكاء الحصانالهَرِم”. فأُطلق الحصان ثم سار بالجيش حتى عاد سالما. ومن هناجاء المثل “الحصان العجوز يعرف الطريق”، في إشارة إلى الوفاءوالصدق والخبرة المتراكمة.

الحصان والزمن والاجتهاد

في اللغة الصينية، إذا أراد الناس التعبير عن معنى “الآن فورا” قالوا: “على ظهر الحصان”، أي “في الحال”. وهو تعبيرٌ يقوم على تشبيهالسرعة بالحصان لأنه كان أسرع وسيلة للتنقل. وقد أشرنا سابقا إلى”حصان الألف ميل” حيث تتجلى سرعة الحصان بأبلغ صورة.

وقال الفيلسوف الصيني تشوانغ تسي (القرن الرابع قبل الميلاد): “إنحياة الإنسان بين السماء والأرض كمرور جوادٍ أبيض عبر فجوةٍضيّقة، لا تستغرق إلا لحظة.” وهو تصوير بليغ لسرعة انقضاء الزمن.

أما المفكر الصيني شوين تسي (313-238 ق.م.) فقال في سياق حثّهعلى طلب العلم: “الجواد الأصيل في قفزة واحدة لا يقطع عشرخطوات؛ أمّا الحصان الضعيف فإذا واصل السير عشرة أيام بلغالألف ميل، وسرّ نجاحه يكمن في عدم الانقطاع”. وفي ذلك إشارة إلىأنّ الاجتهاد والمثابرة أهم من الموهبة وحدها، وأنّ الاستمرار هو طريقالإنجاز. وهذا المعنى يلتقي مع ما ورد عن الرسول ﷺ: “أحبُّالأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ”.

لقب “ما” ومسلمو الصين

يشار إلى أن الحصان باللغة الصينية يسمى “ما”، وهو يُعدّ من أبرزالألقاب الشائعة بين المسلمين الصينيين. ويرتبط ذلك إلى حد كبيربكونه اختصارا صوتيا لاسم النبي محمد ﷺ عند نقله إلى الصينية. فالعالم المسلم الصيني ما جيان (محمد مكين) على سبيل المثال هوصاحب الترجمة الصينية الأكثر اعتمادا للقرآن الكريم.

قال المتنبي: “عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ ** بما مضى أم بأمر فيكتجديد”، ولعلّه قالها وهو بعيدٌ عن أحبّته، ومثقلُ القلب بالحنين والحزن،غير أنّني أستعير هذا المطلع لأبعث إليكم تحية مع بداية عام الحصانالصيني، متمنيا أن يحمل في طياته لكم ولأهلكم تجديد الخير واليمنوالبركات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى