
يشكل حفظ السكينة العامة في أي مجتمع من المجتمعات الحديثة خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه، باعتبارها الإطار الذي تنتظم داخله حياة الناس ومصالحهم وممتلكاتهم، والأساس الذي تقوم عليه دولة القانون والمؤسسات، إذ لا يمكن تصور تنمية اقتصادية أو استقرار اجتماعي أو ازدهار سياسي في ظل اضطراب الأمن أو المساس بهيبة الدولة، فالأمن ليس مجرد إجراء إداري بل هو شرط موضوعي لقيام العمران واستمرار المرافق العمومية في أداء وظائفها، ومن ثم فإن أي تطاول على قوات الأمن أو اعتداء على القوة العمومية يمثل في حقيقته مساساً بجوهر الدولة ودقاً لمسمار في نعش دولة المؤسسات، لأنه يضعف الثقة في قدرة السلطة العامة على فرض النظام ويهدد السلم الأهلي ويشجع منطق الفوضى بدل منطق القانون، وفي المقابل فإن ثقافة الاحتجاج المشروعة في الأنظمة الديمقراطية تقوم على التعبير السلمي المسؤول واحترام الضوابط القانونية، لا على الاحتكاك المتعمد برجال الأمن أو التقليل من دورهم أو تصويرهم كطرف خصم، لأنهم في النهاية أداة الدولة في حماية الجميع دون تمييز، كما أن الدولة تمثل واسطة عقد حياة الناس وضامنة أمنهم وحافظة مؤسساتهم، واحترامها ليس خياراً سياسياً بل واجب قانوني وأخلاقي، ومن هذا المنطلق فإن ما شهدته موريتانيا من احتكاكات في الآونة الأخيرة بين بعض المناضلين من بعض الحركات الحقوقية وقوات الأمن، وما رافق ذلك من تجاوزات واعتداءات لفظية على بعض أعضاء الحكومة في الوزارات السيادية، يطرح إشكالاً حقيقياً حول حدود الممارسة الاحتجاجية ومسؤولية الفاعلين السياسيين والمدنيين في ترسيخ خطاب يحترم مؤسسات الدولة ولا يشرعن الإساءة أو التحريض، إذ إن حرية التعبير لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للمساس بكرامة الأشخاص أو هيبة المرافق العامة، كما أن الديمقراطية لا تستقيم مع منطق التحدي المفتوح لسلطة القانون، بل تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات وعلى الاحتكام إلى الأطر الدستورية والمؤسساتية في إدارة الخلاف، وعليه فإن المحافظة على هيبة الدولة وفرض احترام القانون وقمع كل من تسول له نفسه الاعتداء على أمن البلد أو القوة العمومية يظل واجباً مشروعاً تمليه ضرورة حماية النظام العام وصون الاستقرار، لأن الطريق الذي يبدأ بتبرير الفوضى لا ينتهي إلى الحرية بل إلى الخراب، ولا يقود إلى توسيع المشاركة بل إلى تقويض أسس العيش المشترك، ومن ثم فإن ترسيخ ثقافة احتجاج راشد مسؤول يميز بين المعارضة المشروعة والفوضى المرفوضة يظل المدخل الحقيقي لتعزيز دولة المؤسسات وضمان استمرارية السكينة العامة كشرط لازم لكل مشروع تنموي أو إصلاحي جاد.



