
لم يكن المؤتمر الصحفي مجرد مناسبة للتواصل مع الرأي العام، بل كان لحظةً سياسيةً بامتياز، تجلّت فيها ملامح رؤيةٍ للدولة، ومنهجٍ في الحكم، وفلسفةٍ في إدارة الشأن العام.
وعلى خلاف اللقاءات الخاصة أو الحوارات المُعدّة سلفًا، بدا رئيس الجمهورية ممسكًا بخيوط المشهد، واسع الإحاطة بتفاصيل الحاضر، مستشرفًا رهانات المستقبل، يخوض في أدق الملفات بثقة العارف، وهدوء رجل الدولة، ومنطق المسؤول الذي يوازن بين الواقعية والطموح، ويقارب القضايا بعقلٍ مؤسسي بعيدٍ عن الانفعال أو المزايدة.
ولم يكتفِ بعرض الوقائع، بل قدّم مقارباتٍ ورؤى، مؤكدًا أن بناء الدولة لا يستقيم إلا بتمكين المسؤولين من ممارسة صلاحياتهم كاملة، وربط تلك الصلاحيات بمبدأ المساءلة؛ فلا سلطة بلا مسؤولية، ولا تكليف بلا محاسبة.
وهي معادلة تعكس إيمانًا راسخًا بأن الإدارة الرشيدة لا تقوم على تداخل الصلاحيات، وإنما على وضوحها، وعلى تحمّل كل مسؤول تبعات قراراته وإنجازاته، حاضرًا ومستقبلًا، أمام الدولة والمجتمع والتاريخ.
وفي ملف مكافحة الفساد، جاء الخطاب حاسمًا، لا يعرف المواربة ولا يقبل التأويل؛ فقد أعلن انحيازًا صريحًا لدولة القانون، وخوض حربٍ لا هوادة فيها على الفساد ورموزه، مع توفير الحماية للمبلغين، وتحصين لجان التحقيق والتفتيش، وتمكينها من أداء رسالتها في كنف الاستقلال والنزاهة، مع تحميلها، في الوقت ذاته، كامل مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية.
ولم يكن الحديث عن مكافحة الفساد مجرد إعلان نيات، بل اقترن باستحضار ما أُنجز من استردادٍ للأموال والممتلكات العامة، وتوجيهها لخدمة المشاريع الاجتماعية، وتعزيز مقومات التنمية والأمن الوطني، بما يؤكد أن المال العام أمانةٌ لا غنيمة، وحقٌ للمواطن لا امتيازٌ لفئة.
وفي المقابل، عبّر الرئيس بأسفٍ بالغ عن التراجع الذي أصاب الخطاب السياسي والأخلاقي، وما آل إليه النقاش العام من استسهالٍ للتشهير، وإطلاقٍ للأحكام، وبناءٍ للمواقف على الظنون والانطباعات بدل الحقائق والوقائع.
فالدول لا تُدار بالشائعات، ولا تُبنى بالاتهامات، ولا تُصلحها الانفعالات العابرة، وإنما تنهض بالعلم والخبرة، والإدارة الرشيدة، والإصلاح المؤسسي المتدرج، والإشراك المسؤول، في كنف الاحترام الصارم لمؤسسات الدولة، وسيادة القانون، ومرجعية الدستور.
لقد تجاوز المؤتمر الصحفي حدود الإجابة عن أسئلة الصحفيين، ليغدو بيانًا سياسيًا متكاملًا، أعاد التأكيد على أن مشروع الدولة لا يُقاس ببلاغة الشعارات، بل بصلابة المؤسسات، ولا يُبنى بضجيج الخطابات، بل بتراكم الإصلاحات، وترسيخ ثقافة المسؤولية، وإعلاء قيم النزاهة والكفاءة، وصون هيبة القانون.
لقد حمل المؤتمر رسالةً واضحة مفادها أن بناء الدولة ليس مشروع لحظة، ولا رهين خطاب عابر، بل مسارٌ طويل يقوم على ترسيخ المؤسسات، وتعزيز الثقة، وتكريس دولة القانون.
فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، وإنما بقدرتها على حماية قيمها، وصيانة حقوق مواطنيها، وإرساء قواعد الحكم الرشيد.
وتلك الرسائل عكست تصورًا لدولةٍ تستمد قوتها من عدالة مؤسساتها، وتماسك بنيانها، واحترام دستورها، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.



