آراءثقافةمنوعات

من يهدد الأمريكيين في موريتانيا؟

محمد محمود أبو المعالي | إعلامي وخبير في الشؤون الإفريقية

أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قبل يومين تحذيرا للرعايا الأمريكيين من السفر إلى موريتانيا بحجة احتمال وقوع هجمات إرهابية، وهو تحذير يأتي تاليا لتحذير مماثل أطلقته السفارة الأمريكية في نواكشوط في شهر مارس الماضي، عن احتمال تعرضها لهجوم إرهابي، وكلا التحذيرين لم يعط أية تفاصيل عن طبيعة الهجمات المحتملة، ولا الجهة المفترض تخطيطها لتنفيذها.
الأمر الذي يثير أكثر من سؤال حول حقيقة التهديدات المفترضة، والغاية من إطلاقها، خصوصا أنه لا جديد على مستوى الوضع الأمني في موريتانيا، التي لم تعرف منذ 15 عاما أي نشاط إرهابي، ولا أي استهداف للأجانب على أراضيها، وهو ما مكن الأمريكيين وغيرهم من الرعايا الغربيين، من التحرك بحرية خلال السنوات الماضية، في طول البلاد وعرضها، دون أية إجراءات أمنية استثنائية.
ولأن التحذير صادر عن الولايات المتحدة الأمريكية ذات القدرات الاستخباراتية والعسكرية العالية، فإنه لا مناص من التعاطي معه تحليليا بمستوى من الجدية والانتباه، وإن كان معلوما لدى الخبراء والمحللين، أن الاهتمام الأمريكي بمنطقة الساحل جاء متأخرا، ولا يزال محدودا، قياسا لاهتمام بعض الدول الأوربية بها، وفي مقدمتهم فرنسا ذات المصالح العميقة والعتيقة في المنطقة، التي توغلت فيها منذ القرن السابع عشر، ولم تلاحظ عيونها المنتشرة في كل مكان، ولا أنوفها المتحسسة العارفة بتفاصيل المنقطة وخباياها، أي خطر يتهدد موريتانيا أو المصالح الغربية فيها.
غير أن ذلك لا يلغي أهمية وخطورة المستوى الذي وصل إليه الأمريكيون من التوغل في المنطقة، فبات لزاما أن تُحمل تحذيراتهم على محل الجد، وأن تكون قراءتها والسعي لفهمها اعتمادا على معطيات الحاضر بواقعه ووقائعه، ومجريات الأحداث الماضية بنتائجها وتداعياتها، وهو ما يقودنا حتما إلى تلمس معالم الجهة التي يفترض أنها تخطط لهذه الهجمات، وهنا لا مندوحة لنا من التطرق للجماعات السلفية المسلحة التي تنشط في منطقة الساحل، باعتبارها الجهة الوحيدة في المنطقة التي تصنفها المنظومة الدولية جهات إرهابية، ولها عداوة معلنة وخصومة معلومة مع الغرب عموما، ومع الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا، ولا مناص عندئذ من التذكير بأن هذه الجماعات لا وجود لها على الأراضي الموريتانية حاليا، ولا فيما مضى من تاريخها في المنطقة، لذلك سنتلمس وجودها في أقرب نقطة تماس بينها وبين الأراضي الموريتانية، ويتعلق الأمر بالأراضي المالية، إذ من المعلوم بداهة أن جماعتين “جهاديتين” مسلحتين تنشطان في مالي منذ سنوات عديدة، أولاهما وأكثرهما قوة وانتشارا، “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، التابعة لتنظيم القاعدة، وهي التي ينشط بعض عناصرها فيما يلي الحدود الموريتانية من الأراضي المالية، لكن هذه الجماعة انهمكت منذ تأسيسها في مارس سنة 2017، في الشأن المحلي لجمهورية مالي، بشكل استغرق معظم أنشطتها وتفكيرها، بعد أن باتت الهيمنة فيها لصالح قادة ومقاتلين محليين من وسط وشمال مالي، وأصبح دور الأجانب فيها محدودا، حيث قتل واختفى معظم قادة المجموعات المؤسسة لها من غير الماليين، ما بين عامي 2013 و2020، وبات تفكير قادتها الحاليين، يتطلع جنوبا وشرقا نحو كوت ديفوار وبنين والنيجر، لاعتبارات استراتيجية وإثنية، بعيدا عن موريتانيا، التي يرفض قائدا هذه الجماعة (إياد غالي، وآمادو كوفا) التورط معها في حرب أو مواجهة مسلحة، مبررين ذلك باعتبارات عديدة، في مقدمتها عدم رغبتهم في إدخال الجيش الموريتاني إلى ساحة الحرب ضدهم، وهو المتاخم لمناطق سيطرتهم ونفوذهم، والقادر على التوغل نحو معسكراتهم، بل يعتبر بعضهم أن تورط كتائب “إمارة الصحراء” في مواجهات مع الجيش الموريتاني ما بين عامي 2005 و2011 كان خطأ استراتيجيا، دفعت إليه تصورات خاطئة لدى بعض القادة الجزائريين، وبعض العناصر من الموريتانيين المتحمسين حينها، وقد كلفهم ذلك ثمنا باهظا، دون أن تكون له أية نتائج إيجابية، فلم تتمكن هذه الجماعة من إنشاء معسكرات على الأراضي الموريتانية، ولم تنجح محاولاتها تأسيس نواة لها في داخل البلاد، بخلاف الدول المجاورة التي أقامت فيها المعسكرات وعمل عناصرها بحرية في مدنها وعلى أراضيها، كما أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” باتت ذا تكوين شبه محلي خالص، ولم تعد للعناصر الموريتانية أو الجزائرية الكلمة العليا فيها، كما أن وضعها اليوم وهي في مواجهة مفتوحة مع عدد من جيوش المنطقة (مالي، النيجر، بوركينافاسو، كوت ديفوار، وبنين)، وتتلقى تهديدات بالقصف الأمريكي، لا يستدعي من قيادتها إضافة جيش آخر للحرب ضدها، خصوصا إن كان جيشا محاذيا لقواعدها الخلفية ومناطق نفوذها، كما أن لبعض مكوناتها تجربة مريرة معه، غير مشجعة على استفزازه من جديد.
أما الجماعة الثانية فهي تنظيم “ولاية الساحل” التابع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وينشط في جزء الحدود المالي المقابل للنيجر وبوركينافاسو، بعيدا عن الحدود الموريتانية، وهو غير معني أصلا بالصراع مع موريتانيا أو العمل على أراضيها، منذ مبايعته لداعش في مايو عام 2015، كما لا يوجد موريتانيون ضمن صفوفه قد يدفعونه للاهتمام بموريتانيا، فمعظم قادته ومقاتليه من القوميات المحلية (الفلان، الطوارق، عرب مالي والنيجر) أو من الصحراويين، وهو مشغول بحرب متعددة الجبهات، مع جيوش مالي والنيجر وبوركينافاسو، ومع مليشيات “الدفاع الذاتي” في تلك البلدان (الدوغون، الإيمغاد، دوسحاق، الزرما، الموسى)، فضلا عن المواجهة الدموية بينه وبين غريمه وخصمه اللدود “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.
ولو افترضنا جدلا أن أيا من التنظيمين (القاعدة وداعش) قرر مهاجمة الرعايا الأمريكيين في المنطقة، أو استهداف السفارات الأمريكية فيها، فإن في البلدان التي ينشط التنظيمان على أراضيها ما يسهل استهدافه والتخطيط لضربه، أكثر من سهولة استهداف الأراضي الموريتانية أو التخطيط للعمل فيها، مع مراعاة ما قد يقود إليه ذلك من جر موريتانيا إلى الدخول في مواجهة مفتوحة معهم، ستزيد من استنزافهم وتعقيد الوضع بالنسبة لهم.

وانطلاقا مما سبق، وفي ظل غياب أية معلومات دقيقة عن مصدر التهديد المفترض، فإن معطيات الساحة الموريتانية اليوم، أمنيا وعسكريا وسياسيا واجتماعيا ودينيا، لا توحي بأن جديدا قد طرأ، يبرر مثل هذه التصريحات، ويستدعي إضافة موريتانيا إلى قائمة التحذيرات الأمريكية المستمرة والمتجددة في بعض دول المنطقة، فالوضع مازال كما هو منذ سنوات، والتصنيفات العالمية ما تزال تضع موريتانيا في صدارة أكثر بلدان الساحل استقرارا وسكينة.
أما التحذير مما سمته الخارجية الأمريكية جرائم عنيفة تقع خارج أحياء تفرغ زينة في نواكشوط بشكل متكرر، وتشمل السطو والسرقة المسلحة والاعتداء، فقد تكون محقة نسبيا في مثل هذه التحذيرات، فالمدن الكبرى معرضة دائما لانتشار مثل هذه الجرائم، كما هو الحال في بعض الأحياء والمدن الأمريكية التي تشهد ارتفاعا في نسبة الجرائم العنيفة، مثل أحياء بوركلين Brooklyn، وجنوب برونكس South Bronx وهارلم الوسطى والشرقية Central East Harlemفي نييورك، ومُدن ديترويت Detroit في ميشغان، وأوكلاند Oakland في كالفورنيا، وبورت لاند Portland في أوريغون، وهي أحياء ومدن تشهد ارتفاعا كبيرا في معدلا الجريمة العنيفة، مثل القتل والاغتصاب والسطو المسلح، وصلت حسب تقارير الـFBI عام 2024 إلى ما يناهز 359 جريمة عنيفة لكل 100 الف شخص، هذا مع توفر الشرطة الأمريكية وأجهزتها الأمنية على “الموارد اللازمة للاستجابة السريعة والفعالة للجرائم الخطيرة”، إلا أن ذلك لم يستدع تحذيرات من دول لها رعايا في الولايات المتحدة الأمريكية، نظرا لحالة التطبيع بين سكان تلك المدن وزوارها، مع مستوى الجرائم والعنف داخلها منذ عقود طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى