
شاعت على ألسنة الناس عبارة «المغفور له بإذن الله»، وهي بدعة طارئة نشأت عن ورعٍ جاهل؛ ذلك أن قائلها فرَّ من ظاهر اللفظ ـــ وهو الخبر ـــ وحسِب أن قول الناس «المرحوم» و«المغفور له» و«الشهيد» جزمٌ بحصول الرحمة والمغفرة والشهادة، وإخبارٌ عن أمرٍ غيبي لا سبيل إلى العلم به إلا بخبرٍ من الوحي، فعدَّه من التألّي على المولى سبحانه، وهو أمر عظيم ورد النهي عنه؛ فأقحم «بإذن الله» ظنًّا منه أنه يتحرّز بها من ذلك المحذور.
وإنما أُتي هذا المتورِّع من جهله بالعربية وفساد ذائقته فيها؛ فلو تمعَّن لعلم أن هذه العبارات خبرٌ من حيث الصيغة، طلبٌ من حيث المعنى: فالمقصود بقولنا «المرحوم» الدعاءُ له بالرحمة، وبقولنا «المغفور له»: اللهم اغفر له، وبقولنا «الشهيد» الدعاءُ له بالشهادة، لا الجزم بحصول شيء من ذلك ولا الاطلاع على الغيب. ثم هي بعدُ جاريةٌ على حسن الظن بالله عز وجل، وهو سبحانه عند ظن عباده به.
ومجيء الخبر بمعنى الطلب أسلوب عربي شهير؛ لأن لأن اللفظ قد تكون صيغته خبرا ولكن طبيعته اقتضاء. كما يقول صاحب الجوهر المكنون:
وقَدْ يَـجي أمْرٌ وَنَهْيٌ ونِـدا * في غَيْرِ معناهُ لأمْرٍ قُصِدا
وصيغةُ الأخبارِ تاتي للطَّلَبْ * لفألٍ أو حرصٍ وحملٍ وأدَبْ.
وهذا يدخل في باب الفأل.
ومن مجيء الخبر بمعنى الطلب قولنا: «صلى الله عليه وسلم»، فظاهر الكلام الإخبارُ عن صلاة الله على نبيه، والمطلوب منه الدعاءُ بحصولها حصولَ تجدُّد، فالخبر هنا بمعنى الطلب. ومنه: «رحمه الله» و«غفر الله له» و«عفا الله عنه»، وكلها أخبارٌ لفظًا، أدعيةٌ معنًى، جرت على ألسنة السلف والخلف من غير نكير.
فإذا تقرَّر أن معنى الكلام طلبُ الرحمة والمغفرة لمن نقول عنه «مرحوم» أو «مغفور له»، امتنعت إضافة «بإذن الله»؛ فإنها تعليقٌ للدعاء، والتعليق في الدعاء ورد النهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولنَّ أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، لِيَعزم المسألة، فإنه لا مُكرِه له». فانقلب الأمر على صاحبنا: فرَّ من محذور متوهَّم، فوقع في منهيٍّ عنه محقَّق.
والجهل بالعربية من الأدواء الخطيرة التي عمَّت في عصرنا، وبسببها ألَّف مولانا الإمام كتابه «أمالي الدلالات»؛ وقد عدَّ الإمام السنوسي الجهلَ بالعربية أحدَ أصول الكفر العشرة، وإليه أشار ابن بونه في «الوسيلة» بقوله:
ورب كفر ناشئ مسبب = عن جهل شخص بلسان العرب.
وليس من هذا الباب قول العامة في الحسانية: «يرحمو إن شا الله»؛ فإن عبارة «إن شا الله» وإن كان أصلها العربي ـــ إن شاء الله ـــ تعليقًا، فإنها في الحسانية تحوَّلت بالاستعمال إلى معنى الرجاء، وفقدت معنى التعليق، فخرجت بذلك عن موضع النهي؛ إذ العبرة في الألفاظ بمعانيها في عرف أهلها، لا بأصل اشتقاقها.
فحاصل الأمر أن قولنا «المرحوم» و«المغفور له» صحيحٌ فصيح، جارٍ على سنن العرب في كلامها، وأنه دعاءٌ لا تألٍّ؛ وأن زيادة «بإذن الله» مُحدَثةٌ ما أُتي أصحابُها إلا من قلة البضاعة في لسان العرب، ففرُّوا من ظاهرٍ لا محذور فيه، إلى تعليقٍ ورد النهي عنه. والله أعلم.



