آراءتغريدات

بن بيّه.. الثروة المعرفية الموريتانية العابرة للقارات

الشيخ ولد المامي

يُعدّ الشيخ عبد الله بن بيّه أحد أبرز الرموز العلمية التي أنجبتها موريتانيا في العصر الحديث، وعلامة فارقة في الحضور المعرفي الإسلامي على المستوى العالمي.

فقد تجاوز إشعاعه حدود الجغرافيا المحلية ليصبح اسمًا متداولًا في كبريات المنابر الفكرية والدينية عبر القارات، بوصفه عالمًا موسوعيًا جمع بين عمق التأصيل الفقهي، وسعة الاطلاع المقاصدي، والقدرة على مخاطبة العالم بلغة العصر.

تكوّن الشيخ بن بيّه في المحظرة الموريتانية، التي عُرفت تاريخيًا بتخريج العلماء الراسخين، قبل أن ينفتح على الفضاء الأكاديمي والمؤسساتي الدولي.

وقد مكّنه هذا الجمع بين الأصالة والانفتاح من بناء خطاب علمي متوازن، يستند إلى أمهات كتب التراث، ويستوعب في الوقت ذاته تعقيدات الواقع المعاصر.

في المحافل الدولية، يُنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية في قضايا السلم، والتعايش، وتجديد النظر المقاصدي، وإدارة الاختلاف.

ويكاد يتفق الكثيرين على أن حضوره العلمي يبدأ من حيث تنتهي معرفة غيره؛ إذ يمتاز بقدرة استثنائية على تفكيك الإشكالات المركبة، وربط الجزئيات بأصولها الكلية، واستحضار السياقات التاريخية والواقعية في آنٍ واحد.

شكّل تأسيسه ورئاسته لـ”منتدى أبوظبي للسلم” محطة مفصلية في مسيرته، حيث سعى من خلاله إلى بلورة خطاب إسلامي يعلي من شأن السلم، ويؤكد أن الأصل في العلاقات الإنسانية هو التعارف والتعاون، لا الصدام والتنازع.

وقد ركّز في أطروحاته على مفهوم “فقه السلم”، باعتباره إطارًا اجتهاديًا يعيد ترتيب الأولويات في عالم مضطرب، ويواجه تأويلات العنف والتطرف بالحجة العلمية الرصينة.

إن دعوة بن بيه المتواصلة إلى التقارب بين الأمم، وبناء جسور الثقة بين الثقافات المختلفة، شكلت امتدادًا لاجتهاد فقهي يرى في حفظ النفس والعمران والاستقرار مقاصد عليا للشريعة.

ومن هذا المنطلق، تحوّل إلى أحد أبرز الأصوات الإسلامية الداعية إلى نبذ الكراهية والخلافات المسلحة، ومعالجة النزاعات بمنطق الحكمة والحوار.

ظل الحضور العالمي لولد بيه مصدرا انتقادات من أطراف ترى في انخراطه في المبادرات الدولية خروجًا عن الأطر التقليدية للعمل الدعوي أو الفقهي.

غير أن المتابعين لمسيرته يعتبرون أن كثيرًا من تلك الانتقادات ينطلق من مواقف أيديولوجية مسبقة، أو من تضارب في الرؤى حول أولويات المرحلة، أكثر مما يستند إلى نقاش علمي موضوعي.

ويذهب أنصاره إلى أن سعيه الحثيث لإطفاء بؤر التوتر، وترسيخ خطاب السلم، يقف سدًا أمام مشاريع قائمة على الصدام والاستقطاب، وهو ما يفسّر حدة بعض المواقف المناوئة له؛ فخطاب التهدئة والمراجعة الفقهية الرصينة بطبيعته يربك دعاة التأزيم، ويعيد توجيه البوصلة نحو مساحات التوافق الممكن.

بالنسبة لموريتانيا، يمثل الشيخ عبد الله بن بيّه امتدادًا لمدرستها العلمية العريقة، وتجسيدًا حيًا لقدرتها على إنتاج علماء ذوي أثر عالمي.

وهو في نظر كثيرين ثروة معرفية وطنية، تتجاوز قيمتها حدود الإطار المحلي، لتسهم في صياغة النقاشات الفكرية الكبرى حول الدين والعالم المعاصر.

لقد استطاع بن بيّه أن يثبت أن العالم الموريتاني يمكن أن يكون فاعلًا في دوائر القرار الفكري الدولي، وأن المعرفة المتجذرة في المحظرة قادرة على مخاطبة المؤسسات العالمية بثقة واقتدار.

وبين إشادة وتباين في الرؤى، تبقى حقيقة حضوره العلمي وتأثيره الدولي معطىً يصعب تجاوزه في أي قراءة منصفة لمسار الفكر الإسلامي المعاصر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى