آراء

موريتانيا الصراع الخفي بين السيف والقلم

سيد لمين يباوه

قديمًا قيل: إن القلم الفعال هو الذي يوجه السلاح نحو الحق، وقيل أيضًا: لن تكون بلاغة الأقلام مؤثرة إلا إذا مر حبرها بفوهات البنادق، كما قيل: إذا رحل القلم بقي السيف يتيمًا بلا أخ، دلالةً على الترابط بين القوة المادية والقوة الفكرية في حماية الأوطان والمبادئ.

​إلا أنه يوجد صراع أزلي على السلطة بين القلم والسيف كان حاضرًا على مر العصور في كل نظام حكم، ولكلٍ أسلوبه في معالجة الأمور؛ فهناك من يريد أن يبسط يده الحديدية على الحكم، وهناك من يرى في الحكمة أداةً لمعالجة الأمور تجنبًا للفتنة وزعزعة الأمن العام.

​لكن في الحقيقة، لن يكون القلم فعالًا في مواطن فرض السلطة وتنظيم الغوغاء في كثير من الحالات، كما أن السيف لا جدوى منه في حالات سوء التفاهم والأزمات السياسية المؤدلجة. ومن الحكام في التاريخ من استطاع الجمع بينهما بحكمة، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

​اليوم تعيش هذه البلاد صراعًا خفيًا بين من ينتمون إلى ثقافة السيف ومن ينتمون إلى الثقافة الأخرى، وقد تمثل هذا في الصراع بين “المحمدين”؛ فلكل منهما أسلوبه ونظريته في ممارسة الحكم. وقد شكلا في فترة من حكمهما معًا نموذجًا لاتحاد القبضة الحديدية وأسلوب المداراة السياسية في الخفاء، مما مكن حكم محمد ولد عبد العزيز من السيطرة على الميدانين السياسي والعسكري في تلك الحقبة بسبب تعاون الرجلين على إدارة البلاد.

​تاريخيًا، عرف هذا البلد صراعًا ثقافيًا بين فئتين: من ينتمون إلى ثقافة المدفع، ومن ينتمون إلى القلم. ولو أن السيطرة كانت دائمًا لحملة السيف، إلا أنه كان لديهم تقدير خاص لأهل القلم دون غيرهم من فئات المجتمع الأخرى، مما قلل من حدة موقف أصحاب القلم تجاه أصحاب السلاح. وعلى الرغم من مكر أصحاب القلم، إلا أنهم لم يسيطروا بشكل مطلق على هذه البلاد، وربما يعود السبب إلى طبيعة الناس في المنطقة، لأن الغالبية كانت من البدو الرحل.

​تُمارس «الدولة العميقة» في موريتانيا إستراتيجية متأصلة تقوم على «عقيدة عدم المواجهة» امتصاصًا للأزمات وتفاديًا لكسر العظم، وهي عقيدة أثبتت نجاعتها – جيوسياسيًا على الأقل – حتى الآن. هذه الدبلوماسية الهادئة تتشابه فلسفيًا مع منهج التنين الصيني (صبر الإستراتيجية ومحايدة المحاور)، وتُعد أقرب أدبيًا إلى أسلوب أصحاب القلم والمداورة في هذه الربوع. غير أن المفارقة تكمن في أن الواجهة التنفيذية للسلطة ظلت حكرًا على المؤسسة العسكرية؛ مما يشير إلى أن حقيقة النفوذ لا تُقاس فقط بالزي العسكري، بل بمدى تعبير الحاكم عن الخلفية الاجتماعية والرمزية للطرفين.

​الآن يحتدم الصراع خلف كواليس الحكم وفي جميع ثناياه وعلى أطرافه، وفي المشهد السياسي الكبير ثمة معطيات تعطي إشارة إلى وجود احتقان مؤدلج بين الثقافتين؛ فهناك من يشعر بأنه مغبون وغير مقدر من الطرف الآخر، ومدعوم معنويًا من المعارضة بجميع فئاتها، وهنا مكمن الخطورة. هذا الاحتقان يشبه تقريبًا ما حدث قبل الانقلاب على الرئيس المختار ولد داداه، ولو أن الوضعية تختلف تمامًا، إلا أنها تتقاسم ثلاث نقاط مهمة: الاحتقان السياسي، الشعور بالغبن من فئة تجاه فئة أخرى، والاحتقان الجيوسياسي.

​حفظ الله موريتانيا، ولتبقى حرة أبية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى