
لقد اعتاد البعض، عند كل أزمة أو قضية مثيرة للجدل، أن ينفخ في نار الانقسام، وأن يحاول استثمار مشاعر الناس عبر خطاب المظلومية والتجييش وصناعة الأعداء الوهميين، ظنًا منه أن تكرار الضجيج كفيل بتحويل الباطل إلى حقيقة.
لكن ما ينبغي أن يُفهم جيدًا أن وعي الناس اليوم لم يعد كما كان، وأن أساليب التلفيق والتأويل الموجه ومحاولات جرّ المجتمع نحو الاستقطاب لم تعد تنطلي على أحد.
فالموريتانيون باتوا أكثر إدراكًا لمن يسعى فعلًا إلى حماية الوطن، ومن يحاول اتخاذ القضايا العامة مطية لتصفية الحسابات، أو صناعة البطولات الزائفة، أو تسويق خطاب التفرقة والكراهية تحت عناوين براقة.
إن هذه القضية ـ بدل أن تكون فرصة جديدة للمتاجرة بالانقسام ـ قد تتحول إلى لحظة كاشفة تُعرّي دعاة الفتنة، وتُسقط الأقنعة عن أولئك الذين لا يعيشون إلا على تأجيج الشارع، وبث الشك بين مكونات المجتمع، والطعن في مؤسسات الدولة كلما خالفتهم الوقائع والأحكام.
فليس كل صراخ قضية، وليس كل ادعاء ظلم حقيقة، كما أن ترديد الشعارات لا يصنع عدالة، ولا يمنح أحدًا حق الوصاية على المجتمع أو احتكار الحديث باسمه.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي أو الناشط أو صاحب المنبر هو أن يجعل من الوطن وقودًا لمعاركه الخاصة، وأن يحاول تفكيك الثقة بين الناس ومؤسساتهم خدمة لأجندات ضيقة أو حسابات عابرة.
غير أن هذا البلد، الذي صمد طويلًا أمام الأزمات، أكبر من حملات التوتير، وأوعى من أن يُقاد بخطابات الكراهية، لأن روابط العيش المشترك فيه أعمق من أن تهزها منشورات عابرة أو موجات تحريض موسمية.
وسيعرف الناس ـ كما عرفوا دائمًا ـ الفرق بين من يريد الإنصاف والاستقرار، ومن لا يقتات إلا على الفوضى والانقسام.



