
اخي العزيز في المشهد السياسي الموريتاني، حيث تحتدّ السجالات أحيانًا وتغلب لغة التصعيد، يظلّ بعض الرجال استثناءً يُحتذى، لا بما يقولونه فقط، بل بما يختارون عدم قوله. ومن بين هؤلاء يبرز الوزير الأول الأسبق يحيى ولد حدمين، نموذجًا للنخوة السياسية، والرقي في الخصومة، والوفاء لأخلاقيات الدولة.
لقد كان بإمكان يحيى ولد حدمين، وهو الذي تولّى رئاسة الحكومة في مرحلة دقيقة، أن ينخرط في موجة المزايدات، أو أن يجعل من مهاجمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وسيلة لتلميع الذات أو كسب التعاطف السياسي. غير أنه اختار طريقًا آخر، طريق الرجال الذين يدركون أن الدولة أكبر من الأفراد، وأن المسؤولية لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بوزن الموقف.
إن امتناع ولد حدمين عن مهاجمة رئيسٍ خدم تحت إمرته، ليس ضعفًا ولا ترددًا، بل هو تعبير صادق عن نخوة سياسية نادرة، واحترام عميق لتقاليد الدولة، ووعي بأن الخلافات مهما بلغت لا ينبغي أن تنحدر إلى تصفية حسابات شخصية أو تشويه متعمد للتاريخ.
فهو يدرك أن المناصب زائلة، لكن القيم باقية، وأن الكلمة إذا خرجت لا تعود.
وقد جسّد هذا الموقف معنى الوفاء في أبهى صوره، وفصل بوضوح بين النقد المسؤول، إن وُجد، وبين الانجرار وراء خطاب التشفي أو الانتقام. فاختار الصمت النبيل حين يكون الكلام وقودًا للفتنة، واختار الحكمة حين يكون الصخب طريقًا سهلًا لكنه مكلف على الوطن.
إن نخوة يحيى ولد حدمين تتجلى في احترامه للمؤسسة الرئاسية، أيا كان شاغلها، وفي إدراكه أن بناء الدولة لا يتم بهدم الرموز، ولا بتأجيج الذاكرة الجماعية، بل بالحفاظ على الحد الأدنى من اللياقة السياسية التي تصون هيبة الدولة وتماسك المجتمع.
وفي زمن اختلطت فيه الجرأة بالتهور، والصراحة بالإساءة، يقدّم ولد حدمين درسًا بليغًا في أخلاق المسؤولية: أن تكون قادرًا على الكلام، وتختار الصمت؛ وأن تمتلك المبررات، وتقدّم المصلحة العامة؛ وأن تغادر المنصب، دون أن تغادر القيم.
هكذا يُعرف رجال الدولة الحقيقيون: لا في لحظة السلطة فقط، بل في ما بعدها. وهكذا تُكتب المواقف التي لا تصنع ضجيجًا، لكنها تصنع احترامًا طويل الأمد، وتُسجَّل في ذاكرة الوطن كعلامة على النبل السياسي، ونخوة الرجال.



