
يبدو أن عقلية السوق الإمبريالية صادفت كابوسها الأكبر على شواطئ دكار ، شعب مزعج بالمعنى الرأسمالي الكلاسيكي، يعاني من فضول قاتل يجعله يفتش في تفاصيل عقود الطاقة وكأنه يراجع فاتورة بقالة عائلية.
لا يفهم هؤلاء القوم القواعد الذهبية للعبة النفط والغاز في العالم الثالث، حيث المفروض أن تدفق الثروات يصحبه حياء وطني وصمت تدبيري، بل يصرون على ممارسة سذاجة الديمقراطية وملاحقة جزيئات الغاز حتى القاع.
والمشكلة الحقيقية ليست فقط في هذا الشارع المتطلب الذي يرى الثروة المدفونة تحت البحر كحق سائل يجب أن يضيء منازله فوراً، بل في تلك السلطة المنقادة خلفه بقلب ضعيف ، تحسب ألف حساب لغضب الناخب المحلي وكأن صندوق الإقتراع مقدساً بالفعل.
أمام هذا الإزعاج السنغالي المنظم، يدرك عمالقة الطاقة في “بريتش بتروليوم” و”كوسموس” حجم الورطة ، فبينما يمتد حقل أحميم المشترك أخويا على طول الحدود البحرية، تتجلى المفارقة المؤلمة في التعاطي المزاجي للطرفين.
على الضفة الأخرى، تسير الأمور بنعومة سلسة تشرح الصدور، حيث لا أسئلة صعبة، ولا مظاهرات تحاسب على المتر المكعب، ويكفي فقط إرضاء القليل من النافذين ليصبح المستثمر الأجنبي سيد المكان و طليق اليدين، يغرف من خيرات المكان دون صداع شعبي أو ضغوط برلمانية.
غير أن السنغال تفسد هذه الهدأة النيولبرالية المشتهاة، وتصر على منغصات من قبيل (تحسين وضع الطاقة المحلي) و(الإنتاج الموجه للاستهلاك الداخلي) محولة مفاوضات الشركات من نزهة بروتوكولية إلى معركة مساومة عسيرة، ليثبت هذا الشعب وحكومته أنهم بالمعايير الإستعمارية الحديثة زبون ثقيل الظل لا يتقن فن الرضا بالقليل.



