آراءمنوعات

بيان الأطر الحراطين: مرحلة في بناء الدولة، لا تشكيك في الأمة

الإعلامي: محمد ماء العينين ولد خالد

أثار بيان الأطر الحراطين، المتداول حالياً على وسائل التواصل الاجتماعي، ردود فعل عديدة. أما بالنسبة لي، فإنه لا يثير انطباعاً استثنائياً، ليس لأن القضايا التي يطرحها ثانوية، بل لأنه يبدو لي جزءاً من مسار تاريخي عرفته، ولا تزال تعرفه، معظم الدول وهي في طور بناء مؤسساتها.

وأولى الأخطاء تتمثل في اعتبار أن موريتانيا أصبحت دولة مكتملة الأركان منذ استقلالها.

فالواقع أن ما ورثناه سنة 1960 كان إقليماً أكثر منه دولة بالمعنى المؤسسي الكامل. فقد ظلت البنى القبلية والإمارات التقليدية وروابط التضامن الاجتماعي تشكل الإطار الأساسي لتنظيم المجتمع، بينما كانت مؤسسات الدولة الحديثة لا تزال في طور التأسيس. ومن ثم، فإن بناء الدولة الموريتانية ليس حدثاً انتهى مع الاستقلال، بل هو مسار تاريخي لا يزال مستمراً إلى اليوم.

كما ينبغي التذكير بأنه، رغم ما شكلته تلك البنى التقليدية من عائق أمام نشوء دولة حديثة، فإن أولى التوترات التي ظهرت عقب الاستقلال لم تكن، في حقيقتها، توترات عرقية. فقد دارت أساساً بين نخب إدارية فرنكوفونية ورثت الإدارة الاستعمارية، وكانت بطبيعة الحال ممسكة بمفاصل الدولة، وبين نخبة معربة كانت تطالب بمكانة تتناسب مع وزنها الديموغرافي. لقد كان الأمر، قبل كل شيء، صراعاً بين نخب مختلفة، وبين نموذجين ثقافيين ولغويين وإداريين، أكثر منه صراعاً بين مكونات المجتمع.

وكان هذا التطور، إلى حد كبير، أمراً طبيعياً. فمع تعميم التعليم باللغة العربية، وتخرج أجيال متعاقبة من الكفاءات المعربة، أخذت موازين القوى تتغير تدريجياً، إلى أن أصبحت العربية اللغة الرئيسية للإدارة العمومية.

وبعد سنوات، جاء بيان حركة «أفلام» ليعبر بدوره عن هذه الديناميكية القائمة على المطالبة بالتمثيل والاعتراف. فبعيداً عن خطابه الهوياتي، كان يعكس أيضاً رغبة جزء من النخب الزنجية الموريتانية في الحفاظ على موقعها أو إعادة تحديده داخل الدولة التي كانت لا تزال في طور البناء.

واليوم، يشكل بيان الأطر الحراطين مرحلة جديدة من هذا المسار التاريخي نفسه. فلأول مرة تعلن نخبة حرطانية، بصورة صريحة، رغبتها في أن يكون لها وزن سياسي باسمها هي، دون أن تُدمج تلقائياً ضمن المكون البيظاني. ومن ثم، فإن هذا التطور يبدو أقرب إلى نتيجة طبيعية لنضج الحياة السياسية في بلادنا، منه إلى كونه قطيعة مع الماضي.

فجميع المجتمعات تمر، بدرجات متفاوتة، بمثل هذه المراحل. فكلما تعززت الدولة، سعت مختلف مكونات المجتمع إلى تمثيل ترى أنه يعكس وزنها الديموغرافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي. وهذه الظاهرة ليست خاصة بموريتانيا، ولا تحمل في حد ذاتها أي خطر.

غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تعجز الدولة عن كبح الانحرافات ذات الطابع العرقي أو الفئوي، فتترك الانتماءات الخاصة تحل تدريجياً محل المواطنة الجامعة. وعندها تستدعي كل مطالبة فئوية مطالبة مضادة، فيدخل المجتمع في دوامة من التنافس الهوياتي الذي يهدد وحدته.

وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية الدولة.

فالدولة التي لا تزال في طور البناء لا يمكنها أن تكتفي بدور المتفرج، بل يتعين عليها، عند الاقتضاء، أن تمنع بالقانون كل أشكال الانزلاق ذات الطابع العرقي أو العنصري أو الفئوي. فحرية التعبير وحرية التنظيم لا يجوز أن تتحولا إلى مبرر لخطابات تمزق الأمة أو تمس بمبدأ المساواة بين المواطنين.

وفي المقابل، فإن المطالب التي تسهم في تعزيز المساواة أمام القانون، وترسيخ مبدأ الجدارة، وضمان حياد الإدارة، وتكافؤ الفرص، إنما تساعد، على نحو مفارق، في تجاوز الانتماءات الضيقة وتعزيز الوحدة الوطنية.

فدولة القانون لا تعني إنكار الاختلافات، وإنما تعني ضمان ألا تتحول هذه الاختلافات أبداً إلى معيار يحدد حقوق المواطنين أو واجباتهم أو فرصهم.

ومن ثم، فإن على موريتانيا أن تتجنب مأزقين لا يقل أحدهما خطراً عن الآخر: إنكار الحقائق الاجتماعية، بما يولد الإحباطات ويغذيها، أو تحويل الانتماءات الفئوية إلى مؤسسات دائمة، بما يحبس البلاد في منطق المحاصصة والتنافس الهوياتي.

لذلك، فإن أفقنا لا ينبغي أن يكون دولة المكونات، ولا جمهورية المحاصصة، بل جمهورية المواطنين، حيث يحتمي الجميع بالقانون نفسه، ويخضعون للقواعد نفسها، وتكون معايير الاستحقاق والكفاءة هي وحدها أساس التقدير والترقية.

ويوم يقتنع كل موريتاني بأن مستقبله أصبح رهيناً بعمله وكفاءته واستحقاقه، أكثر من كونه رهين أصله أو لغته أو وضعه الاجتماعي، عندها فقط يمكن القول إن بناء الدولة قد اكتمل بالفعل.

وعندها، وعندها فقط، ستكون الأسس الحقيقية لأمة موحدة، متماسكة، ومتصالحة مع ذاتها، قد ترسخت بصور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى