آراءتغريداتمنوعات

الحوار إلى أين؟.. حين تعجز النخب عن الارتفاع إلى مستوى الوطن.

نوح محمد محمود

الحوار الوطني ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء التوافق وترسيخ الاستقرار وصناعة مستقبل أفضل للأوطان. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في الساحة الموريتانية هو: الحوار إلى أين؟ وهل تمتلك النخب السياسية والفكرية القدرة على تحويله إلى فرصة تاريخية تخدم الوطن والمواطن، أم أنه سيتحول إلى محطة جديدة من الجدل العقيم وتصفية الحسابات الضيقة؟

لقد أثبتت التجارب أن نجاح أي حوار وطني مرتبط بصدق النوايا أكثر من ارتباطه بكثرة الشعارات. فحين تتقدم المصالح الشخصية والحسابات السياسية الضيقة على المصلحة العليا للوطن، يفقد الحوار روحه ويتحول إلى مجرد مناسبة إعلامية لا تقدم حلولاً حقيقية للمشكلات المطروحة.

إن جزءاً من النخبة الموريتانية ما زال أسير عقلية الصراع الدائم، حيث ينظر إلى كل مبادرة وطنية من زاوية الربح والخسارة السياسية، لا من زاوية المكاسب الوطنية المشتركة. ولذلك تتكرر الخلافات حول الأشخاص بدل الأفكار، وحول المواقع بدل البرامج، وحول الماضي بدل المستقبل.

كما أن بعض النخب لم تستوعب بعد أن المواطن البسيط لم يعد يعنيه من ينتصر في السجالات السياسية بقدر ما يعنيه تحسين ظروفه المعيشية وتطوير الخدمات الأساسية وتوفير فرص العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية. فالوطن لا يبنى بالخطب الرنانة ولا بالمزايدات الإعلامية، وإنما يبنى بالعمل الجاد والرؤية الواضحة والإرادة الصادقة.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: السلطة والمعارضة والعلماء والمثقفين وقادة الرأي. فموريتانيا تواجه تحديات تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والتعقل والتنازل المتبادل. ولا يمكن لأي طرف أن يحتكر الوطنية أو يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

إن الحوار الحقيقي هو الذي يفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة، ويعزز الثقة بين مكونات المجتمع، ويضع أسس دولة قوية بمؤسساتها وعدالتها وتنميتها. أما الحوارات التي تغرق في التفاصيل الهامشية والخلافات الشخصية فإنها لن تزيد المشهد إلا تعقيداً.

ويبقى السؤال قائماً: هل ترتقي النخب الموريتانية إلى مستوى اللحظة التاريخية وتقدم الوطن على المصالح الضيقة، أم أن فرصة جديدة ستضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل؟ إن الجواب لن تصنعه الكلمات، بل ستصنعه المواقف والأفعال، لأن الأوطان لا تنتظر المترددين، والتاريخ لا يرحم من يضيع فرص الإنقاذ والبناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى