المهندس يحيى ولد حدمين.. رجل دولة لا تهزّه ترهات العابرين.
نوح محمد محمود

هناك شخصيات لا تُقاس قيمتها بما يُقال عنها في مجالس السياسة، ولا بما تكتبه الألسن في لحظات الخصومة، وإنما تُقاس بمسارها، وبما راكمته من تجربة، وبما تركته من أثر في الدولة والمجتمع. ومن هذه الشخصيات يبرز الوزير الأول السابق يحيى ولد حدمين باعتباره واحداً من رجال الدولة الذين صنعتهم الكفاءة والتجربة، لا ضجيج المناسبات ولا
تقلبات المواقف.
علاقة يحيى ولد حدمين بالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليست وليدة مرحلة سياسية عابرة، ولا علاقة فرضتها موازين السلطة؛ بل هي علاقة سبقت وصول الرئيس إلى الحكم، ولذلك فإن من يحاول تفسيرها من خلال ترهات الفاشلين سياسياً أو رهانات الخصومة إنما يقرأ التاريخ بعين قصيرة، ويقيس الرجال بميزان اللحظة.
لقد ظل يحيى ولد حدمين، في مختلف المراحل، شخصية ذات حضور سياسي واجتماعي واضح، وامتلك من التجربة في تسيير الشأن العام ما يجعله رقماً يصعب تجاوزه في قراءة مسار الدولة الموريتانية الحديثة.
والرجل، قبل أن يكون سياسياً، مهندس ذو تكوين علمي رفيع، تخرج من الجامعات الكندية، وهو ما يعكس مساراً علمياً ومهنياً لا يمكن اختزاله في العمل السياسي وحده. وقد جمع بين التكوين الهندسي وبين معرفة واسعة بتاريخ المجتمع الموريتاني وأنساب مكوناته وتوازناته الاجتماعية، وهي معرفة قلّ أن تجتمع في شخصية واحدة بهذا المستوى من التكوين
الأكاديمي والتجربة السياسية.
ولعل أكثر ما يميز يحيى ولد حدمين هو علو الهمة والفتوة والقدرة على الحضور في المواقف الصعبة؛ فهو من جيل تربى على معنى المكانة الاجتماعية باعتبارها مسؤولية، لا مجرد امتياز، وعلى أن رجل الدولة الحقيقي لا ينبغي أن يكون أسيراً للموجة السياسية العابرة.
إن الهجوم على الرجل، حين يتحول من نقد موضوعي إلى نشر الشائعات والانتقاص الشخصي، لا يخدم صاحبه قبل أن يسيء إلى المستهدف. فالاختلاف السياسي حق، والنقد حق، والمساءلة حق، لكن اختلاق الصور المشوهة عن الرجال وترويج الكلام غير الموثق ليس نقداً سياسياً، وإنما عجز عن مواجهة التجربة بالحجة.
ويحيى ولد حدمين ليس فوق النقد، كما لا ينبغي لأي مسؤول أن يكون فوق المساءلة؛ لكن الإنصاف يقتضي أن يُناقش الرجل بما أنجزه ومواقفه ومساره، لا بما ينسجه خصومه في لحظات الغضب أو الحسابات السياسية الضيقة.
أما مكانته الاجتماعية، فهي بدورها ليست طارئة ولا مصنوعة بواسطة السلطة. إنها امتداد لجذور تاريخية راسخة، وحضور اجتماعي له عمقه، وهو ما يجعل محاولة اختزال الرجل في منصب وزاري سابق أو في مرحلة سياسية محددة ظلماً للتاريخ قبل أن يكون ظلماً لشخصه.
إن موريتانيا تحتاج اليوم إلى قراءة أكثر إنصافاً لرجالها؛ قراءة تميز بين النقد الذي يبني، والخصومة التي تهدم، وبين الرأي السياسي وبين التشويه الشخصي. فالدول لا تُبنى بإسقاط رموزها، وإنما تستفيد من تجاربهم، وتختلف معهم حين يلزم الاختلاف، وتحفظ لهم ما يستحقون من تقدير حين يكون التقدير مستحقاً.
وسيظل يحيى ولد حدمين، مهما تغيرت خرائط السياسة وتبدلت التحالفات، رجلاً من رجال الدولة، وصاحب تجربة وكفاءة وحضور اجتماعي وتاريخ سياسي لا تمحوه ترهات العابرين ولا حملات التشويه.
فالرجال الكبار لا تحتاج قيمتهم إلى ضجيج، والتاريخ وحده كفيل بأن يفرز الغث من السمين، وأن يضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه.
ومن أراد أن يختلف مع يحيى ولد حدمين فليختلف معه بالحجة والوثيقة والوقائع؛ أما النيل من الرجل بالشائعات، فلن يغير شيئاً من حقيقة أن وراءه مسيرة علمية ومهنية وسياسية واجتماعية طويلة، وأن قيمته لا تُختزل في رأي خصم، ولا في مزاج مرحلة، ولا في حسابات فاشل سياسياً.



