آراءتغريداتثقافة

المقاربة الموريتانية: انتصارٌ للعقل دون إنكارٍ للألم ومصالحةٌ مع المستقبل دون خيانةٍ للذاكرة

سيدي ولد النمين

ليست قوة الدول دائماً في صلابة قبضتها، ولا في قدرتها على إنزال العقاب وحده؛ فذلك بابٌ عرفته أمم أكبر منا جيوشاً، وأوسع منا إمكانات، وأثقل منا ترسانةً، ثم اكتشفت بعد سنين طويلة أن الفكرة لا تُهزم بالحديد وحده، وأن النار قد تُخمد لهباً… وتترك تحت الرماد جمراً ينتظر الريح.

فقوة الدولة الحقيقية تظهر حين تعرف متى تحمل السيف، ومتى تمد الجسر؛ متى تواجه الخطر بحزم، ومتى تعالج جذوره بالحكمة.

ومن هنا لا يمكن قراءة المقاربة الموريتانية في مواجهة فكر الغلو والتطرف باعتبارها قراراً عابراً أو وليد لحظة سياسية، بل هي مسار طويل بدأ يوم اختارت الدولة أن تخاطب الفكر بالفكر، وأن تواجه الشبهة بالحجة، وأن تفتح للعائدين من طرق التيه باب مراجعة… لا باب مكابرة.

لقد جرّبت المنطقة حولنا مسارات كثيرة؛ رأينا دولاً دخلت حرباً مفتوحة مع أبنائها، وسمعنا أزيز الرصاص في العواصم، وشاهدنا كيف تتحول الفكرة حين تُحاصر فقط إلى ذاكرة مظلومية، وكيف يتحول الخطأ حين لا يجد طريقاً للرجوع إلى عنادٍ قاتل.

ولذلك كان الخيار الموريتاني مختلفاً:

لا تساهل مع الأمن…

ولا استخفاف بخطورة الفكر…

ولكن أيضاً لا استقالة للعقل أمام البندقية.

لقد اختير لهذا الحوار رجالٌ من أهل العلم والدراية، ممن يعرفون مسالك الفكر المتشدد ومداخله ومخارجه؛ لا ليجادلوا أشخاصاً فقط، بل ليحاوروا منظومة فكرية كاملة، وليثبتوا أن الحجة الهادئة أحياناً أعمق أثراً من ألف مواجهة.

لكن الإنصاف يفرض هنا كلمة حق:

ليس في الحديث عن نجاح هذه المقاربة نسيانٌ للذين رحلوا، ولا طمسٌ لدمعة أم، ولا تجاهلٌ لوجع أسرة فقدت عزيزاً في تلك السنوات الصعبة.

لقد فقدت موريتانيا ضباطاً وجنوداً ورجال أمن ومواطنين أبرياء؛ كانوا أبناء لهذا الوطن وحراسه، وسالت دماء عزيزة ستظل جزءاً من ذاكرة البلد ووجدانه.

فالرحمة لا تعني النسيان…

كما أن المصالحة لا تعني محو صفحات الألم.

لكن الدول لا تُدار فقط بذاكرة الجراح، بل أيضاً بحساب المستقبل.

والسؤال الكبير أمام أي قيادة ليس:

كيف نعاقب من أخطأ فقط؟

بل:

كيف نمنع ولادة الخطأ مرة أخرى؟

كيف نجفف المنابع بدل أن نطارد الجداول؟

وكيف ننتصر على الفكرة التي صنعت التطرف لا على الأفراد الذين حملوها فقط؟

هنا تكمن قيمة التجربة.

فحين يعود إنسان من قناعة قاتلة إلى مراجعة هادئة، وحين ينتقل من تكفير المجتمع إلى الاعتراف بخطئه تجاهه، فذلك ليس مكسباً لشخص خرج من السجن فقط، بل مكسب لمجتمع أغلق نافذة كانت الرياح السوداء تدخل منها.

وليس معنى ذلك أن كل مراجعة صادقة بالضرورة، أو أن الحذر الأمني يصبح غير مطلوب؛ فالدولة العاقلة هي التي تجمع بين اليد المفتوحة والعين اليقظة:

تصالح دون سذاجة…

وتراقب دون انتقام.

إن تجربة الحوار مع سجناء الغلو تحمل رسالة أوسع من حدود الملف نفسه:

أن الوطن لا يُبنى بإلغاء المختلف، بل بإعادة من يمكن إعادته إلى فضاء الجماعة الوطنية.

وأن قوة الدولة ليست فقط في قدرتها على كسر خصومها، بل أحياناً في قدرتها على تحويل بعضهم إلى شهود على خطأ الطريق الذي ساروا فيه.

لقد علّمنا التاريخ أن الأفكار لا تموت حين يُسجن أصحابها فقط، ولكنها تضعف حين يفقدون القدرة على الدفاع عنها أمام سلطان العقل.

وهذا هو الرهان الأصعب:

أن تربح الدولة الإنسان بعد أن ربحت المواجهة.

وأن تغلق باب التطرف لا بمفتاح السجن وحده، بل بمفتاح الوعي.

فالبلدان التي تريد مستقبلاً آمناً لا تكتفي بأن تسأل:

من أخطأ بالأمس؟

بل تسأل أيضاً:

كيف نجعل أبناء الغد لا يسلكون الطريق نفسه؟

وتلك، في تقديري، هي أعمق دلالات المقاربة الموريتانية:

عدالةٌ لا تنسى…

وحكمةٌ لا تنتقم…

ودولةٌ تؤمن أن إنقاذ العقول أحياناً أعظم انتصار من إسكات البنادق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى