آراءتغريداتثقافة

الأولويات المربكة.. حين تتزاحم الرسائل السياسية

الشيخ ولد المامي

سُلَّمُ الأولويات هو أحد القوانين الحاكمة لحركة الدول والمجتمعات؛ فالتدرج في معالجة القضايا، وترتيب الملفات بحسب درجة إلحاحها وأثرها، يمثلان جوهر الحكامة الرشيدة وأساس كل سياسة تتطلع إلى تحقيق نتائج مستقرة ومستدامة.

وقد علمتنا تجارب الأمم أن تجاوز هذا السلم، أو القفز فوق درجاته، يفضي في الغالب إلى نتائج عكسية؛ إذ تُستنزف الطاقات في معارك جانبية، وتُستهلك الموارد في ملفات ثانوية، بينما تبقى القضايا الأكثر إلحاحاً معلقة تنتظر المعالجة.

وحين يختل ترتيب الأولويات، يصبح الإنجاز نفسه موضع تساؤل، لأن قيمة القرار تقاس بموقعه من حاجات المجتمع وتحديات المرحلة.

وفي أوقات الأزمات على وجه الخصوص، تزداد أهمية هذا المبدأ؛ فالدول تواجه دائماً وفرة في المطالب وندرة في الإمكانات، الأمر الذي يجعل حسن ترتيب الأولويات شرطاً لازماً للنجاح.

أما حين تتقدم الملفات الأقل إلحاحاً على ما سواها، فإن المجال العام يمتلئ بالأسئلة حول اتجاه البوصلة، وحول المعايير التي تحكم صناعة القرار.

ومن هذا المنطلق، يحق للرأي العام أن يتوقف عند بعض القرارات والإجراءات الأخيرة، وأن يقرأها في ضوء سؤال الأولويات؛ ذلك السؤال الذي يظل، في نهاية المطاف، المدخل الأكثر موضوعية لفهم السياسات العمومية وتقييم مساراتها وقياس مدى اقترابها من هموم الناس وانشغالاتهم اليومية.

وقد أثار قرار الإفراج عن عدد من السجناء المدانين في ملفات مرتبطة بالغلو والتطرف جملة من الأسئلة السياسية المشروعة، تتجاوز الأشخاص المعنيين بالقرار إلى طبيعة الأولويات التي تحكم الفعل العمومي في هذه المرحلة الدقيقة.

فموريتانيا تعيش ظرفا تتراكم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية بصورة تجعل المواطن منشغلا بقضايا أكثر التصاقا بحياته اليومية.

فبعد سنوات من الوعود التنموية الكبيرة، ما تزال قطاعات واسعة من الرأي العام تتساءل عن مستوى الوفاء بالتعهدات المتعلقة بالتشغيل، وتحسين الخدمات الأساسية، ورفع القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وفي خضم هذا الواقع، يبدو من الطبيعي أن يطرح السؤال حول موقع ملف السجناء السلفيين ضمن سلم الأولويات الوطنية، فهل كان هذا الملف هو الأكثر إلحاحا في هذه اللحظة السياسية؟ وهل يمثل التحدي الأكثر استعجالا مقارنة بما يواجهه المواطن من أعباء معيشية متزايدة وضغوط اقتصادية متنامية؟

وتزداد الأسئلة حضورا حين يُنظر إلى القرار ضمن مشهد سياسي وقضائي أكثر اتساعا؛ فالدولة ما تزال تحتفظ برئيس سابق خلف القضبان في ملفات تتعلق بالفساد، بينما غادر معظم معاونيه السابقين دائرة المتابعة أو العقوبة، بل عاد بعضهم إلى مواقع متقدمة في إدارة الشأن العام.

وهو وضع يفتح الباب أمام نقاش سياسي واسع حول معايير العدالة والإنصاف وتكافؤ المعالجة بين مختلف الملفات.

وفي السياق نفسه، ما تزال الساحة السياسية تشهد جدلا متواصلا بشأن أوضاع بعض المنتخبين، بعد توقيف عضوين في البرلمان، وما أثاره ذلك من نقاشات قانونية وسياسية حول الضمانات الدستورية المرتبطة بالحصانة البرلمانية وإجراءات رفعها.

أما من زاوية أخرى، فإن الملاحظ أن المستفيدين من هذا الانفتاح يمثلون توجها فكريا واجتماعيا محددا، في حين يرى كثير من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين أن أطيافا أخرى من السجناء أو الملاحقين سياسيا لا تحظى بالمقاربة نفسها، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول مدى توازن الدولة في تعاملها مع مختلف الحساسيات الاجتماعية.

ويكتسب هذا التساؤل بعدا إضافيا في ظل المناخ الإقليمي الراهن، خصوصا مع تصاعد الخطاب الإعلامي والسياسي في مالي، حيث تتكرر اتهامات ـ تنفيها نواكشوط باستمرار ـ تتحدث عن وجود دعم موريتاني لبعض الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل.

وبغض النظر عن مدى صحة تلك المزاعم، فإن أي تقارب مع تيارات ذات خلفية سلفية قد يُستغل دعائيا من قبل خصوم موريتانيا الإقليميين لتغذية هذه السرديات وتعزيزها.

والسياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالنوايا وحدها، بقدر ماتُدار بالصور والانطباعات والرسائل التي تلتقطها الأطراف الأخرى وتعيد توظيفها في معاركها الإعلامية والسياسية.

ومن جهة أخرى، تبدو التجارب الإقليمية جديرة بالتأمل، فقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك محاولات لفتح قنوات مع التيار السلفي وإدماجه في المشهد العام، ضمن مقاربة كانت تستهدف إيجاد توازن في مواجهة نفوذ جماعة الإخوان المسلمين.

غير أن تطورات ما بعد الثورة أظهرت أن الحسابات السياسية قد تفضي أحيانا إلى نتائج مغايرة للتوقعات، حين تلاقت مصالح التيارات الإسلامية المختلفة في لحظة تاريخية واحدة.

ولا يعني استحضار هذه التجربة بالضرورة إسقاطها على الحالة الموريتانية، فلكل بلد خصوصياته وسياقاته، لكنه يذكر بأن إدارة التوازنات الفكرية والسياسية تظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في عمل الدول.

وإذا انتقلنا إلى المجال التنموي، فإن الإشكال لا يبدو أقل حضورا؛ ففي الوقت الذي يواجه فيه المواطن أعباء متزايدة تتعلق بتكاليف المعيشة والخدمات الأساسية، يثار نقاش متنام حول جدوى بعض المشاريع ذات الطابع الرمزي أو التزييني (الطريق الدائري، ومجسم نواكشوط) مقارنة بالمشاريع المرتبطة مباشرة بتحسين الظروف المعيشية للسكان، كالغذاء والدواء والمحروقات.

كما أن إعلان إجراءات اجتماعية لدعم الفئات الهشة يتزامن أحيانا مع قرارات أو مراجعات سعرية تمس بعض الخدمات الأساسية كما حدث بُعيد الإعلان عن برنامج “عون” من رفع التعرفة على الماء الشروب، الأمر الذي يجعل جزءا من الرأي العام يتساءل عن مدى الانسجام بين السياسات الاجتماعية المعلنة والانعكاسات العملية لبعض القرارات الاقتصادية.

ولذلك فإن جوهر النقاش لا يتعلق بقرار الإفراج في حد ذاته، ولا بحق الدولة في اعتماد المقاربات التي تراها مناسبة لمعالجة ملفات التطرف أو المصالحة أو الإدماج، وإنما يتعلق بترتيب الأولويات الوطنية في مرحلة تتزاحم فيها الملفات الملحة وتتعاظم فيها انتظارات المواطنين.

فالسياسة الناجحة هي القدرة على إقناع المجتمع بأن القرار جاء في وقته الصحيح، وعالج القضية الأكثر إلحاحا، واستجاب لما يعتبره المواطن أولوية وطنية حقيقية.

وهنا تحديدا يبرز السؤال الذي سيظل مطروحا في الساحة العامة: هل تعكس القرارات الأخيرة سلما واضحا للأولويات الوطنية، أم أنها تضيف حلقة جديدة إلى الجدل المتصاعد حول قدرة الحكومة على ترتيب تلك الأولويات في المرحلة الراهنة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى