آراءتغريداتتقنية

من استدراكات الوزير سيد أحمد ولد أبوه على الوزير الأول.

محمد سالم الشيخ

بدأ الوزير الأول المختار ولد أجاي نقاشا مهما و مطولا لبرامج حكومته و تقييما لما تم إنجازه من تلك البرامج إضافة لتقديم تفسيرات لما تأخر الإنجاز فيه ، و ذلك من خلال تدونتين على صفحته الخاصة في الفيس بوك ، و قد جاءت التدوينة الأولى مختصرة و على شكل تساؤل يريد صاحبها الإجابة عنها و توجيه إجابات المتفاعلين مع التدوينة إلى حيث يريد ، و هو نوع من طرق المصادرة على المطلوب و التي لا يحبها المناطقة كثيرا ، و قد أثار انتباهي كما غيري رد قدمه الوزير السابق و الخبير الاقتصادي سيد أحمد ولد أبوه ، الذي قدم ملاحظات في الصميم و استدراكات على ما قدمه الوزير الأول و تصحيحات لمعلومات من جملة ما قده الوزير الأول في سياق رده على الملاحظات.

مثل هذا الحوار حلقة مهمة من نقاش برامج الحكومة كانت غائبة عن المهتمين ، حيث لم نتعود على نقاش البرامج خارج دائرة العرض في البرلمان و التي عادة لا تناقش البرنامج و لكن تثمن ما قام به من أعده و قدمه ، و تختزل ذلك في جملة مطالبات من النواب لصالح دوائرهم التي ينتمون لها ، ففي نقاش الميزانية يتحول التمثيل إلى مناطق خاصة و يغيب تمثيل الوطن.

جاءت ردود الوزير على الوزير الأول منهجية و علمية و تناولت مواضيع حساسة من برنامج الحكومة الحالية و استدراكات و ملاحظات على تسيير الشأن العام طيلة الفترة الماضية فهو يرد على رجل كان حاضرا في الإدارات و الوزارات مدة فترتين رئاسيتين و قد تولى حقائب وزارية مهمة تجعله مطلعا على مختلف الملفات و كافة القضايا الشائكة و لعل من أهمها قضية المحروقات التي استرك عليه الوزير فيها، و قد برر ذلك من خلال رده قائلا :

حين يكتب وزير سابق للاقتصاد و المالية لخمس سنوات كانت له فيها اليد الطولى و السلطة المطلقة ، أنه لا يمتلك جوابا على السؤال : لماذا انتظرنا كل هذا الوقت ؟ و هو هنا يتحدث عن الطاقة التخزينية الهزيلة للمشتقات البترولية فلا بد أنه من باب حسن الظن يطرح الموضوع للحوار ( ما سكت عند الوزير هو أن الوزير الأول لا شك يعرف جيدا السبب و له بعض المسؤولية فيه لأن الموضوع يشكل زاوية أساسية من زوايا الاقتصاد الموريتاني الذي كان مسؤولا عنه ) يواصل ولد أبوه ..سأجيب على سؤاله الذي عجز عن الإجابة عليه بالقول إن الفساد و غياب الرؤية و عدم الاكتراث بمستقبل هذا الشعب هي جملة الأسباب المباشرة .

و لعل هذه الأسباب التي ذكر الوزير ولد أبوه هي السمة الأساسية التي تميز تسيير البلد و توجه سياساتها و تم تحديدها من طرف وزير سابق للاقتصاد و ليس من طرف باحث في مركز دراسات و لا زعيم في المعارضة و إنما من طرف خبير في الاقتصاد و وزير سابق و مستشار في الرئاسة ، لا يتحدث من فراغ و لا يقول ما ليس عليه دليل ، و قد أجمل المشاكل التي يعانيها تسيير الشأن العام في البلد في ( الفساد ، غياب الرؤية ، عدم الاكتراث بمستقبل البلد ) فهذه هي السمات الأساسية لتسيير الحكومات المتعاقبة بما فيها حكومة ولد أجاي التي تحاول لفت النظر عن هذه السياسات بأمور أخرى سيذكر الوزير بعضا منها.

في موضوع المشاريع الكبيرة و التي تم تمويلها من طرف الدولة استدرك الوزير على الوزير الأول عدم ذكره لأكبر و أهم مشروع بتمويل ذاتي و ذلك ربما لأنه سبق فترة ولد أجاي يقول : أكبر مشروع ممول ذاتيا عرفته البلاد هو إعادة بناء طريق الأمل انواكشوط – النعمة في عهد فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني و بكلفة 140 مليار أوقية أي 348 مليون دولار (يتعلق الأمر ب 870 كيلومتر أي بدون احتساب بوتيلميت- الاگ الممول خارجيا بقرض من الصندوق العربي ومگطع لحجار- جوك وهو المقطع الذي كانت وضعيته جيدة ولا تتطلب إعادة بناء) ولكن هذا المشروع أنجز قبل استلام صاحبنا لوظيفته الحالية وبالتالي ربما لم يستحق بالنسبة له أن يذكر ولكنه بالنسبة لملايين الموريتانيين كان مشروعا رائدا وكان ولا يزال أثره كبيرا جدا على نقل الأشخاص والبضائع.

ثم يتناول الوزير ولد أبوه مشروع عصرنة أنواكشوط و الذي يذكر أنه زاد بعشرة مليارات أوقية بدون سبب و التي سيتساءل الجميع عنها ، لكنه أيضا يتطرق للمبلغ الكبير الذي رصد للجزء الثاني من عصرنة المدينة و هو 100 مليار أوقية والذي لم يحدد له مجال للتدخل و لم تسم مشاريعه بعد ، لكنه يلمح إلى أن طرحه لم يكن موفقا في فترة الأزمة و كان الأولى بالحكومة أن تخصصه لامتصاص تبعات الأزمة على المواطن و ما سينتج عنها من نتائج .

في حديثه كذلك عن مشروع تنمية الولايات قدم ملاحظة مهمة عن كيفية سيطرة الوزير الأول على تسيير أمور الوزارات من خلال تكوين لجان وزارية يقول ولد أبوه (ولم يستجد سوى سحب الصلاحيات من الوزراء القطاعيين ومركزتها عند الوزير الأول عبر آلية اللجان الوزارية والتي زادت على ثلاثمائة في عامين ) و هذه طريقة ربما هي التي أثرت سلبا على تسيير الوزراء لقطاعاتهم و جعلتهم وزراء بغير وزارة . في تعليقه على البرامج التي ذكر و التي عدها برامج الهدف منها الترويج للحكومة و لبرامجها دون تحقيق نمو حقيقي و دون تقديم حلول جذرية لمشاكل المواطنين الفقراء يقول الوزير : (إن فترات الأزمات ليست الوقت المناسب للصرف على مساحيق التجميل وطلاء الواجهات فالأولى في هذه الفترات هو حفظ النفوس عبر محاصرة التضخم وعزل الاقتصاد عن آثار الأزمات وحماية القطاعات الإنتاجية ذلك أن العائلات الهشة ستلجأ حتى في ظروف الدعم الموجه الذي أعلن عنه إلى صرف ما ستتحصل عليه من إعانات وتزيد مما عندها للتشبث بطوق النجاة حينها سندرك بشكل متأخر للأسف أن النتيجة لن تكون مجرد صفرية بل سالبة ).

يعرج الوزير على مفهوم رأى أن الوزير الأول استخدمه كثيرا و هو مفهوم لم يعد متداولا و لا وجود لتداوله في أدبيات الاقتصاد منذ القرن التاسع عشر و هو مفهوم السيادة المالية و الذي قدم مسوغات عدم وجوده بل و عدم وجود سيادة مالية لأن اقتصاديات الدول أصبحت منفتحة و متداخلة بحيث لم تعد إحداها تستغني عن الدول الأخرى حتى أمريكا و الصين ، لكنه نسي أن الوزير الأول ربما يتحدث عن السيادة المالية متمثلة في الضرائب التي تفرضها الدولة على الشركات و الأشخاص و أن تحصيلها يمثل سيادة الدولة و استقلالها الاقتصادي حيث أصبحت الضرائب تمثل المنبع الأساسي لتمويل الميزانيات.

مثل رد الوزير و جملة كبيرة من الردود الأخرى الجادة طرحا مغايرا لطرح الوزير الأول ، يلزمه الرد عليه و تقديم توضيحات عن الاستدراكات و التساؤلات التي طرحت ، و لأنه بدأ هذا النقاش فعليه أن يسير فيه حتى آخر مرحلة لأنه لا محالة يعرف :
أنً من فتحَ الأبـــــوابَ يغلقها *** و أنً من أشْعلَ النيرانَ يُطفيها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى