آراءتغريداتثقافةمنوعات

الحسَّــانية..

الإعلامي: بابا ولد حرمة

ككل اللغات العربية، وعموم اللغات إذ تتمدد، أخذت الحسَّــانية طريقها بعيدا عن الجزيرة العربية انتشارا بالهجرات والغزو، وبالتلاقح والصراعات والحروب، وعلى دروب القوافل وخفارتها.
ومرت بما تمر به اللغات من تحول في نظامها الصوتي وقواعدها النحوية والصرفية، بالتمازج مع ما تعايشت معه من لغات وألسن، وتطورا ذاتيا عبر أجيال المتحدثين بها.

تخلت الحسَّــانية عما تخلت عنه جل اللغات العربية من حالات إعرابية، ودمجت أصواتا وتراكيب صرفية ونحوية غير عربية وانزاحت فيها الدلالات والمقاصد، ووطنت مفردات من الصنهاجية، وربما من لهجات أمازيغية أخرى منقرضة أو آزيرية، ومن لغات نيجيرية كونغولية.

وليست الحسَّــانية بأبعد من الفصحى من أي لغة عربية أخرى، شاميةً كانت أو خليجية أو مغاربية.

ولا يجد الناطقون بهذه اللغة عقوبات كبرى في الانتقال مما يتحدثون إلى الفصحى، وإن كان للتقاليد المحظرية دورها في جسر تلك الهوة النفسية وتوطيد الصلة مع أشعار العرب والثقافة العربية العالمة.

أما أقوال غير الناطقين بالحسَّـانية عنها، من إخوتنا في المشرق أو المغرب، فتلك انطباعات مردها الندرة في الآذان وآلاف الأميال، لا البعد ولا القرب من الفصحى على الإطلاق.

وكان امرؤ القيس ليفغر فاه أمام ما يُـتحدث في كل العواصم العربية من ألسنة، وليحسبها رطانة أعجمية لا تستقيم.

ما وراء الاسم والنسبة..

من اسمها، تبدو الحسَّـانية، في الحسَّـانية، لصيقة بقبائل بني حسَّـانْ المعقلية، منسوبة لهم بشكل لا لبس فيه.

فقد حملوها في انتشارهم في عموم غرب الصحراء، نحو فضاء ظل صنهاجيا بحتا، حتى بعد أن وطدت حركة المرابطين إسلامه وجذرت تقاليده الفقهية المالكية.

فابن تاشفين، وفق تقاليد الإخباريين العرب، لم يكن يتحدث العربية، بل كان له كاتب يجيد اللغتين العربية والمرابطية، كما ذكر ابن خلكان.

ولا شيء يجعلنا نعتقد أن من تركهم خلفه في أنبية كانوا أكثر تعربا منه، ولن يعرفوا قبل الهجرات الحسَّـانية ما يغير من لسانهم “المرابطي” الأمازيغي.

ونسبة هذه اللغة لبني حسَّـانْ ربما أطلقها الآخر المختلف الذي كان متحدثا بلغة أخرى.

فإطلاق الأسماء على الشعوب واللغات، في الغالب الأعم، من شأن الآخر exonym، كما تقول لنا الأنثروبولوجيا، أكثر مما هو من عمل المتحدث باللغة أو المنتمي للجماعة نفسها، وإن تبنت الشعوب والقبائل، وتمثلت لاحقا، ما أطلق عليها وعلى لغاتها من تسميات.

والآخر الأقرب في حالة الحسَّـانية هو الصنهاجي المتحدث بما يعرف بكلام ژْناگـة، آوچّْ نْ يُـثْـنَـگَـنْ.

غير أن هذا الآخر هو في الآن نفسه جزء من هذه الذات، وإن تمايز عنها، أي عن الناطقين الأصليين الحسَّـانية، في النحلة والعيش، وفي تصوره لذاته، ومنظومة قيمه، ثم زاحمهم على الانتماء للأصول العربية والهجرة من أرض بعيدة نحو غرب الصحراء.

ولا وجود في كلام ژْناگـة للحسَّـانية، ولا لبني حسَّـانْ، تقريبا.

فالحسَّـانية في هذ اللسان لغة عربية، آوچّْ نْ تَـأْرْبـِتْ، أي “كلام العربية،” والمتحدثون بها آءْرَبَـن، أي العرب.

وهذه الثنائية، بين العرب وژناگـة، هي الثنائية الأقدم، وفق ما يستشف من كتابات البرتغاليين، ولعل هذه التسمية الصنهاجية (آوچّْ نْ تَـأْرْبـِتْ) أطلقت في مرحلة ما يزال التمايز فيها عرقيا لغويا بحتا بين السكان الأصليين الناطقين بالصنهاجية والوافدين من عرب المعقل، مع ما يميز كلتي الكتلتين من لباس وعادات وتقاليد، مثل اللثام وحلق الرأس، فصل فيها أوائل الرحالة البرتغاليين خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

ومع إعادة ترتيب البيت الداخلي في غرب الصحراء، وتداخل العرقي-اللغوي بالطبقي-الوظيفي، بعد تجذر حضور بني حسَّـان وسيطرتهم سياسيا وعسكريا، ستبرز تسمية الحسَّـانية على يد الناطقين بالصنهاجية المعربين.

وهو تصنيف، وفق ما يستشف من الاسم، أو ما يراد للاسم أن يحجبه، نشأ تحت وطأة صراع على التراتبية، وفي غمرة مسار تعرب نخبوي غدا للناطقين بالصنهاجية في ظله حظ أوفر من الثقافة العربية العالمة وتراثها اللغوي.

ولعل جنوح التسمية إلى النسبة لحسَّـانْ، دون غيره من مفردات قاموس التصنيف الطبقي (المغافرة، لِـعربْ) يحمل في طياته ما يحمل من الصراع على الانتماء إلى العرب ومحاولة كسر احتكاره والانفراد به.

أما عن السمات الصوتية والنحوية والصرفية للحسَّـانية وما اقترب منها من الفصحى وما ابتعد، فذاك حديث آخر..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى