
حين وصلنا إلى الصين ضمن برنامج تدريبي مخصص لعدد من الصحفيين الموريتانيين للاطلاع على التجربة الصينية في مجالات مختلفة، كانت لدينا تصورات مسبقة عن هذا البلد الذي أصبح خلال العقود الأخيرة أحد أبرز الفاعلين على الساحة الدولية؛ لكن ما شاهدناه على أرض الواقع كان مختلفاً عن مجرد الأرقام والإحصائيات التي نقرأها في التقارير الاقتصادية.
منذ اللحظات الأولى في بعض المدن الصينية التي زرناها، لفت انتباهنا مستوى التنظيم والدقة في إدارة المرافق العامة؛ شبكات النقل تعمل بانسيابية، والخدمات الحكومية متاحة عبر تطبيقات رقمية، والبنية التحتية تبدو وكأنها صممت لتواكب احتياجات الحاضر والمستقبل في آن واحد.
وبينما كنا ننتقل عبر مختلف محطات زيارتنا، كان السؤال الذي يتكرر في أذهاني هو: كيف استطاعت الصين تحقيق هذا التحول الكبير خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً؟
خلال اللقاءات التي جمعتنا بمسؤولين وخبراء وأكاديميين صينيين، برزت الحوكمة كأحد المفاتيح الأساسية لفهم التجربة الصينية، فالتنمية هنا لا تُترك للصدفة، بل تُدار وفق خطط طويلة المدى وأهداف واضحة ومتابعة دقيقة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، تعكس الأدبيات السياسية الحديثة في الصين، كما ورد في كتاب ” شين جين بينغ.. حول الحكم والإدارة، تصوراً يقوم على أن الحوكمة ليست مجرد إدارة تقنية للدولة، بل هي منظومة شاملة ترتكز على قيادة سياسية مركزية، وتنسيق مؤسسي واسع، وتوجيه مستمر للسياسات نحو تحقيق “التنمية المتمحورة حول الإنسان” باعتبارها الهدف النهائي لأي إصلاح أو تخطيط.
وقد بدا واضحاً أن الإدارة الحكومية في عهد الرئيس الحالي شي جين بينغ، تعتمد بشكل كبير على التخطيط الاستراتيجي وربط الأداء بالنتائج الملموسة على أرض الواقع.
أحد الجوانب التي أثارت اهتمامي كان الحديث المتكرر عن مكافحة الفساد باعتبارها شرطاً ضرورياً لتحقيق التنمية. وقد أوضح عدد من المتحدثين أن الحملة الواسعة التي أطلقتها السلطات الصينية خلال السنوات الماضية لم تستهدف فقط معاقبة المخالفين، بل سعت أيضاً إلى تعزيز الانضباط الإداري وترسيخ ثقافة المساءلة داخل المؤسسات العامة.
ويؤكد الخطاب النظري في كتاب الحكم والإدارة أن “الحوكمة الصارمة والشاملة” تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على فعالية الدولة، وأن مكافحة الفساد ليست إجراءً ظرفياً بل جزء من بناء طويل الأمد لنظام إداري قادر على ضبط نفسه داخلياً وضمان استمرارية الأداء المؤسسي.
وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول التجربة، فإن الجميع يتفق على أن مكافحة الفساد أصبحت جزءاً مركزياً من الخطاب السياسي والإداري في الصين الحديثة.
ومن الملاحظات اللافتة كذلك الحضور القوي للتكنولوجيا في مختلف جوانب الحياة اليومية، ففي كثير من الأماكن التي زرناها، يمكن للمواطن إنجاز معظم معاملاته عبر الهاتف المحمول، من دفع الفواتير إلى الحصول على الخدمات الحكومية المختلفة.
هذا التحول الرقمي لم يقتصر على المدن الكبرى فقط، بل امتد إلى مناطق كانت تُصنف سابقاً ضمن المناطق الريفية أو الأقل نمواً.
ويرتبط هذا التوجه بما يُعرف في الفكر التنموي الصيني بمفهوم “التحديث الشامل”، الذي يربط بين الابتكار التكنولوجي وتحسين مستوى المعيشة، ويعتبر أن العدالة التنموية بين المناطق الحضرية والريفية جزء أساسي من استقرار الدولة على المدى الطويل.
وخلال مختلف محطات زيارتنا داخل هذا البلد، استمعنا إلى شروحات حول البرامج التي نفذتها الحكومة للقضاء على الفقر وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.
وفي القرى التي شملتها هذه البرامج، يبدوا واضحاً حجم التغير الذي شهدته البنية التحتية والخدمات الأساسية وفرص العمل. وقد أكد لنا المسؤولون المحليون أن التنمية المتوازنة بين المدن والأرياف تمثل أولوية أساسية في السياسات الحكومية الحالية.
وتشير التجربة الميدانية إلى ما تصفه الوثائق الفكرية الرسمية بـ”الاستهداف الدقيق للفقر”، أي الانتقال من السياسات العامة إلى تدخلات محددة تراعي خصوصية كل منطقة واحتياجاتها الفعلية، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة التحسن في مستويات المعيشة في مناطق واسعة.
لكن أكثر ما شد انتباهي كصحفي هو العلاقة الوثيقة بين التخطيط والتنفيذ، ففي كثير من الدول تُصاغ الخطط والبرامج الطموحة، لكنها تواجه صعوبات عند التطبيق.
أما في الصين، فيبدو أن هناك منظومة متكاملة تتابع تنفيذ السياسات وتقييم نتائجها بشكل مستمر، هذه الآلية تمنح صانع القرار القدرة على تصحيح الأخطاء وتعديل المسار عند الحاجة.
ويعكس ذلك أحد المفاهيم المركزية في كتاب الحكم والإدارة، والمتمثل في أن فعالية الحوكمة لا تُقاس بوجود الخطط فقط، بل بقدرة النظام على تحويلها إلى نتائج قابلة للقياس، ضمن دورة مستمرة من التقييم والتصحيح.
ومن خلال النقاشات التي دارت خلال الدورة التدريبية، اتضح لنا أن مفهوم الحوكمة في الصين لا يقتصر على إدارة المؤسسات الحكومية فقط، بل يشمل أيضاً كيفية توجيه الموارد الوطنية لخدمة أهداف التنمية الشاملة.
فالتعليم والبحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا تحظى جميعها بمكانة مركزية في الرؤية التنموية الصينية، باعتبارها أدوات لبناء اقتصاد قادر على المنافسة في المستقبل.
ويظهر في هذا السياق ما يُعرف بـ”التحول نحو التنمية عالية الجودة”، حيث لا يُقاس النجاح الاقتصادي بمعدلات النمو وحدها، بل بمدى استدامة هذا النمو وقدرته على تحسين نوعية الحياة.
وبالنسبة لنا كصحفيين قادمين من موريتانيا، كانت التجربة فرصة للتأمل في عدد من الدروس المهمة، أول هذه الدروس أن التنمية تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتجاوز الحسابات الآنية؛ وثانيها أن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية يظل أساس أي مشروع تنموي ناجح؛ أما الدرس الثالث فيتمثل في أهمية الإدارة الفعالة والقدرة على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لا يعني ذلك أن التجربة الصينية قابلة للاستنساخ بحذافيرها في دول أخرى، فلكل بلد خصوصياته السياسية والاجتماعية والثقافية، لكن الاطلاع عليها يتيح فهماً أعمق لكيفية توظيف الحوكمة والإدارة الحديثة لتحقيق أهداف التنمية والاستقرار.
وعندما نغادر الصين بعد انتهاء هذا البرنامج التدريبي، سنحمل معنا أكثر من مجرد ملاحظات صحفية أو صور تذكارية، سنحمل تجربة ميدانية أتاحت لنا الاقتراب من أحد أكبر مشاريع التنمية في العصر الحديث، وفهماً أوضح للدور الذي يمكن أن تلعبه الحوكمة الرشيدة والإدارة الفعالة في صناعة التحولات الكبرى.
لقد جاءت هذه الزيارة لتؤكد أن سر التقدم لا يكمن فقط في حجم الموارد المتاحة، بل في كيفية إدارتها وتوظيفها لخدمة المجتمع. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن يستخلصها أي زائر لجمهورية الصين الشعبية.



