
في موريتانيا نرتبط منذ عقود بالشاي الصيني ويعد هذا المشروب “خمرنا الحلال” الذي يجمعنا بالعائلة والأصدقاء، وبه نكرم الضيوف حتى أصبح تقديمه علامة للكرم ومنعه من علامات البخل!
وللشاي أو “أتاي” طقوس خاصة خلدها الشعراء في قصائد تصف طرق إعداده وجلوس جماعته وما يدور في هذه المجالس من أحاديث؛ يقول الشاعر:
“أتاي” هو الشرب الحلال ارتشافه
وحاشاه من أن يُستذم ويُمنعا
منافعه تنبئك فاستفت شربهُ
ولا سيما ما كان منه مُنعنعا
ومن طقوس الشاي لدى الموريتانيين أن يجتمعوا حوله وعليه يسمرون؛ بل يستحب إبعاد غير السامرين من مجالس الشاي ليلا؛ وفي ذلك يقول العلامة والشاعر أبو مدين الديماني رحمه الله:
ألا فاسقني كاساتِ شايٍ ولا تَذَرْ
بساحَتِها مَنْ لا يُعِينُ علَى السَّمَرْ
فوقْتُ شَرابِ الشَّايِ وقْتُ مَسَرَّةٍ
يُزُولُ به عن قلْبِ شاربِه الكَدَرْ
ويعد الشاي شرابا جامعا لمختلف فئات المجتمع، يشربه الشيوخ، والكهول، والشباب، بل يشربه الأطفال وأحيانا يقدم لهم كتحفيز على تقديم كؤس الشاي ذات العمائم البيضاء للحاضرين؛ وتخليدا ووصفا لهذا المشهد قال الشاعر:
يا ويحَ للشاي لا تصْفو مَشاربُه
لِشاربِيهِ لأنَّ الكَهْلَ شَاربُه
والطفْل شاربُه منَّا وشاربُه
مِنَّا الذِّي هُو ما إنْ طُرَّ شاربُه
ومن طقوس الشاي بموريتانيا “الجيمات الثلاث” (جمر، جماعة، جر) ويرى المتمسكون بهذه الطقوس أن هذه الجيجمات لا تستقيم إقامة الشاي دونها؛ فعندهم يجب أن يعد الشاي على الفحم (جمر) حتى يكون منعشا؛ وأن يقام لأكثر من ثلاثة أشخاص (جماعة)؛ وأم الجيم الثالثة (جر) فهي أن يعد الشاي ببطء، وتوزع كؤوسه على مراحل يفصل بينها وقت مريح للنقاش وتبادل الآراء بين الحاضرين.
في بيجين زرنا مركز تجربة شاي دايي، واستمعنا لحكايات وقصص عن تاريخ هذا المشروب المبجل، ثم تابعنا عرضا عن طريقة إعداده فوجدنا أن الطقوس تتداخل بشكل كبير من بين إعداد الشاي بموريتانيا وفي الصين، وحكاياته الأولى في البلدين..
هنا يقدم الصينيون الشاي للضيوف للحفاوة، والتعبير عن التعظيم والتبجيل؛ تماما كما هو الحال عندنا في موريتانيا؛ وتمر طريقة إعداد الشاي بخطوات متعددة تشبه كثيرا طريقة إعداد “أتاي” عندنا، كما أن طقوس توزيعه على الضيوف تتطابق هناك وهناك؛ ففي مركز تجربة الشاي ظل القائمون على المركز يوزعون كؤوسا مترعة على الضيوف طيلة وجودنا، ولاحظت أنه فور انتهاء أحد الضيوف من شرب كأس يتم استبدالها بأخرى جديدة؛ فالشاي هنا لا يتوقف في المناسبات وطيلة استقبال الضيوف، تماما كما هو الحال عندنا.



