
حين تقرأ البيان الأخير الصادر عن معالي الوزير الأول الأسبق يحي ولد حدمين، تدرك أنه لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كان نصًّا مشبعًا بالمسؤولية الوطنية، محمّلًا بصدق النوايا، ومرصعًا بحكمة الرجال الذين خبروا دهاليز السياسة وأدركوا أن الأوطان لا تُبنى إلا بالتعالي على الصغائر.
لقد جاء البيان كنبراس يضيء عتمة المشهد السياسي، حين انحدر الخطاب العام إلى مهاوي التفرقة والتمترس وراء الانتماءات الضيقة. فكانت كلماته كالماء العذب ينساب في أرض قاحلة، يعيد للخطاب السياسي وقاره المفقود، ويرفعه من وحل المزايدات إلى رحابة المسؤولية الجامعة.
وقف معاليه وقفة الشاهد على العصر، حين شدّد على أن المتاجرة بالمعاناة، أو تحويل لون البشرة وجهة الميلاد إلى بضاعة سياسية، ليس سوى عبث عقيم، يرتد على أصحابه قبل أن يصيب الوطن. لقد خاطب القلوب قبل العقول، حين ذكّر الجميع بأن الشعب وحده هو سيد القرار، وأن إرادته هي الفصل والميزان، لا ضجيج الطامحين ولا شعارات المتسلقين.
ولم يقف البيان عند حدود النقد، بل مضى إلى الأفق الأرحب، حيث أكد أن موريتانيا لم تكن يومًا ولن تكون في حاجة إلى خطاب عنصري أو تفكير فئوي، وإنما إلى رجال ونساء يحملون همّ الجميع، ويذودون عن وحدة الصف، ويجعلون الوطن بوصلة لا تحيد.
وقد أضفى البيان عمقًا حضاريًا حين استحضر تجارب الأمم، مبرزًا أن معيار القيادة ليس في المهنة أو الزي الذي ارتداه المرء يومًا، بل في صدق العطاء وسموّ الهدف. فجاءت الإشارات إلى أيزنهاور، ولي كوان يو، وقادة نهضة كوريا الجنوبية، لتكون حججًا ناصعة على أن الطريق إلى النهضة لا تحده وظيفة سابقة ولا يختصره انتماء مهني، بل يفتحه الإخلاص للوطن وحسن التدبير.
إن البيان في جوهره دعوة إلى الارتفاع بخطاب السياسة إلى مقام الرسالة، وإلى التحرر من قيود الأهواء الضيقة. هو نداء للصفاء الوطني، وصيحة في وجه دعاة التمزيق بأن موريتانيا أكبر من كل حيلة سياسية، وأغلى من كل مكسب وقتي.
لقد أصاب معالي الوزير الأول الأسبق كبد الحقيقة حين جعل من الوحدة الوطنية السقف الذي لا سقف فوقه، وحين حمّل النخب الفكرية والسياسية مسؤولية أن تكون على قدر التحدي، فلا تنحدر بالخطاب إلى حيث لا يليق، بل تسمو به ليبقى الوطن هو الغاية والوسيلة معًا.
إنه بيان يستحق أن يُحفر في ذاكرة اللحظة، لا بصفته ردًّا سياسيًا، بل باعتباره وثيقة إنسانية ووطنية تذكّرنا جميعًا بأننا مهما اختلفنا في تفاصيل الطريق، فإن مصيرنا واحد، وأن خيمة موريتانيا تتسع للجميع إذا ما أخلصنا لها النية ووحدنا لها الصف.



