آراءتغريداتمنوعات

استراحة أدبية: في وداع الخريف

محجوب بن بيه

لكل قومٍ أجؤهم وسلماهم، ولهم دهناؤهم وحزواهم، ولكل قومٍ شامهم التي لا يبغون بها بدلا، مجرّ عواليهم ومجرى سوابقهم؛ ولنا نحن غازتنا، غازة تلك الربوة المباركة التي تشرفت قبل قرن من الزمن بنزول شيخنا الشيخ المحفوظ بن بيه عليها، ذات يوم من ربيع سنة 1921م الموافق 1339هـ، في جمع من مريديه.
غازة هي آخر متنفس للرمال الصحراوية قبل أن تبتلعها غابات وسفوح السافانا السودانية، ربوة محاطة بأودية وغيضات عن يمين وشمال، بلدة طيبة ورب غفور.
ومن مأثور حكايات أهل الحوض أن شابين من فرسان أولاد امبارك مرّا بغازة ذات يوم أغشتيّ جميل، فأعجبهما بهاء المنظر، وسحرتهما النسمات العليلة المبللة بزخات المطر الخفيف، فقال أحدهما لصاحبه: يا فلان، أتدري ما أجمل شيء يمكن فعله في هذا المكان؟ فقال: وما هو؟ فقال: أن تشرع سلاحك في وجه عدوك. فقال له صاحبه: وما يمنعك من ذلك؟ أكون لك ذلك العدو. فشرع كل منهما سلاحه في صاحبه، فخرّا صريعين معًا.
لم أعثر على اسم غازة في شعر أولاد امبارك مع ذكرهم لما حولها: بولكلال شرقها، و«فوق» شمالها، وجكراكه جنوبها، وكل تلك المواضع مذكورة مشهورة في أشعارهم و«أيام لهم غر طوال».
يروي السلف أن أول اتصال شيخنا بغازة كان نحو سنة 1912م، حين أرسله شيخه الشيخ محمد محمود بن بيه في بعض شؤونه إلى آل الشيخ المهدي في ناحية أفله، وهي رحلته التي التقى فيها بالمرابط محمدُ السالم ولد الشين فقدم به إلى الغويرقة. وفي تلك الرحلة يُحكى أنه نزل فوق ربوة غازة فأحس كأن شيئا يحبسه، وأحس تجاه هذا المكان بتعلق شديد وأنس عجيب، فحدّث نفسه أنه ربما أنس بها للشبه الذي بينها وبين مرابع صباه في كُوش. ثم بعد عشر سنين، حين قرر الشيخ أن يؤسس زاويته الخاصة بعد وفاة شيخه، وقع اختياره على هذا المكان المبارك الذي علق بقلبه.
نزل شيخنا وقومه غازة وهي مأسدة كأنها الشرى أو عفرّين، فتحدّث العامة أن الشيخ كان يغدو غَلَسًا يعفّي آثار الأسد حتى لا تستوحش قلوب الناس من محلهم الجديد.
ويحدّث الغظف أن أحد المُلهَمين زار الشيخ في غازة فقال للمريدين: أبشروا بطول عمر شيخكم وارتفاع شأنه، إذ ألهمه الله هذا المكان العالي. وكان الغظف في الحوض قد رُزئوا قبل ذلك بشيخيهم الشيخ محمد محمود بن بيه والشيخ علي ولد آفه، اعتُبطا ولمّا يعمّرا، وهاجر الشيخ محمد الأمين ولد زيني الى المشرق.

في غازة بنى شيخنا زاوية، بل قرية كاملة، سماها أحد مريديه «كصر الدين»، أي قصر الدين، في قوله:
انزل غازه منزل زين * والله عظمت السبحان
ابن سهوته كصر الدين * واجهر ف مناحرها حسيان
وتشهد بذلك، من حيث لا تقصد، وثيقة فرنسية مؤرخة سنة 1921م بقلم الإداري روجي بيري، جاء فيها: «في شهر مارس من هذه السنة انتقل أهم رجالات الغظف، يتبعه عدد من مريديه، إلى غازة على الحد الفاصل بين دائرتي تنبدغه وانيور، وقد انضم إليه عدد من أهل الحاج أحمد ديده، فأثاروا الأرض وحفروا أربع آبار، وبنوا قرية حقيقية بلغت الآن أكثر من ثلاثين دارًا من الطين، ومخيمًا لأبناء السبيل، ومسجدًا، ومسكنًا مريحًا لشيخهم الشيخ المحفوظ. وقد تخلوا قصدًا عن حياة الترحال، فاستوطنوا هم وأسرهم هذه القرية التي نبتت من الأرض نباتًا، وباعوا بعض مواشيهم ليعتمدوا في قوتهم على زرعهم الذي شرعوا فيه.»
فالحسيان التي غنّى بها المريد هي الآبار الأربع التي أحصاها الإداري، و«كصر الدين» هو القرية الحقيقية التي عدّ دورها الثلاثين.
في غازة عاش شيخنا طورَي الفيض الصوفي والعطاء العلمي كاملَين، وعاش الحقيقة والشريعة في أكمل تجلياتهما، فقد «حسّن» فوق كثيبها كثير من الناس، أي أخذوا الطريقة، وجددوا التوبة وأشرقت صدورهم بالأنوار، كما درّس تحت أشجارها القرآن الكريم وعلومه والسنة والفقه والعربية بشتى فنونها.
في غازة أطعم الطعام وأكرم الوفود وأحسن وفادتها، وقد حدّث المريد الصادق حمودي ولد الطلبه أن صوتين ما كانا ينقطعان ليل نهار: صوت الدقّ في المهراس، وصوت الذكر.
في غازة وفدت الوفود الجليلة على الشيخ، فانقلبوا إلى أهليهم شاكرين صنيعه. يقول حسني ولد الفقيه رحمهما الله:
نزلنا على بحر من الحلم والعلم * ومن كرم في البذل كالمزن إذ تهمي
نزلنا على المحفوظ من كل ريبة * ومعنى المسمى ربما جاء في الاسم

إلى غازة أعمل المرابط محمد السالم ولد الشين اليَعْمَلات من تنبدغه قاصدًا تلميذه، فسجّل تلك الرحلة في قصيدة من عيون شعره، يصف فيها، وهو ابن منطقة العقل، معتبرًا، كيف وجد نفسه يجوب أودية “ترمسه” لا يؤنسه فيها إلا ما لقي من الإكرام والتقريب:
المرءُ في قالَبِ المقدورِ مغْلوبُ * وللحواديثِ تَصْريفٌ وتَقْلِيبُ
في كُلِّ رَيْبٍ لهُ يبدُو لنا عَجَبٌ * والدَّهْرُ دالتُهُ فيها التَّعاجيبُ
من ذاك أنَّ المطايا بي مُنَكِّبَةٌ * أبا الضِّباعِ لها وَخْدٌ وتَأْوِيبُ
أبا الطبولِ عن الأيسارِ جاعلةً * تلك الحِرارُ لها عنهنّ تنكيبُ
تؤُمُّ بالرَّكْبِ أكنافَ الخُطَيْطِ إلى * رِيعِ الأبيترِ والمكتوبُ مكتوبُ
تؤمُّ بالسَّيْرِ جَنْبَيْ صَيْرَ غازيةً * أكنافَ غازَ لها نصٌّ وتقريبُ
ليستْ بمسقطِ رأسٍ لي ولا وطنٍ * هذِي البلادُ، وفي الدَّهرِ الأعاجيبُ
لكنْ بهنّ بقايا من ذَوي كَرَمٍ * ما إنْ لَهُمْ غيرُ محضِ الجُودِ مَكْسُوبُ
أهلُ الغريبِ إذا ما جاء مُغْترِبًا * فللْغريبِ بِهِمْ أهْلٌ وتَقْرِيبُ
في غازة استجاش الكرمُ شاعرية الأدباء، فأثنوا عليها بما هي أهله، ولو سكتوا لأثنت عليها آثارها الحميدة ومآثرها. يقول أحمد ولد البشير الشنقيطي:
أقول وقد شطت بغازه بلادنا * على غازه من بين البلاد سلام
فإن يسلمِ [المحفوظ] يسلم بها الندى * ويحيا بها بين الأنام ذمام
ويقول في أخرى، محتذيًا مطلع ذي الرمة صاحب حزوى في دار ميّ:
ألا يا اسلمي يا دار غازه فإنما * نلتِ الفخار بأكرم الفتيان
السيد المحفوظ من أمنت به * غرر الندى من مكر كل زمان
ولعل هذا المعنى هو الذي لمحه ولد عو من بعدُ، فقال عند حج الشيخ سنة 1956م:
لين ال يمشي شيخ الغظف * شور الوقفَ ف الحجازَ
يخلَ فوق ويخل تُوْف * بولكلال وتخل غازَه

رحلت الحضرة والحاضرة والمحضرة عن غازة نحو سنة 1930م، واستقرت عند مصبّ أزواز في «فوق»، حيث سدُّنا المبارك اليوم. ولكن غازة بقيت في وجدان أهلها رمزًا للبركة، وعلى غازة ظلت أطلال دار الشيخ شاخصة إلى عهد قريب، ويحدّث الناس أنهم يجدون في طوبها عَرْفًا وأريجًا من البخور الذي كانت تفوح به جنبات ذلك البيت المبارك؛ فللروح حواسها الوجدانية التي لا تدرك أغوارها الحواس الخمس.
ولغازة، بعد هذا كله، وجهها الإنساني، غازة اللهو والصبا؛ هناك التقى يومًا فتية من خيرة من أنجبت المدرسة التنبدغية، فتذاكروا مغامراتهم. قال صدفه ولد الطلبه رحمه الله:
قبلت غازه نعرف فاسبوعْ * رينَ لخيامْ ارْفدونا
وامشينا عنهم بالرجوع * او مزالو ظرك ايحانونَا
فقال الشيخ محمد الأمين ولد سيد امحمد رحمه الله:
امنين العادُ فركانُ * ذ هومَ، صدي الممكونَ
روحك منها سول كانو * هونَ ول ما هونَ
فقال مختار ولد سيد عالي رحمه الله:
كط اكطعن مروح وامقيلْ * شور اهل الريم ال يلهونَ
واعطيناهم مجال اقليلْ * وانشوفوكم ما شافونا
على غازة نتنسّم في كل زيارة نسائم من رَوْح الذكر تهب من أرجائها، كما تنشرح صدورنا بذكريات الأنس والوصل في ربوعها، فننشد مع الأستاذ اماكه:
جينا يغلى غيدات الشد * موراك لغازه واركنها
وامشين عنها هي حد * ابقلبو ما يمشي عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى