
في نهاية 2025 كان معالي الوزير الأول يتجول ويتحدث عن تفاصيل فنية، مشيدا بما تم إنجازه في إطار البرنامج الاستعجالي “لتنمية” نواكشوط خصوصا في مجال تحديث شبكة الكهرباء، ووصل الحماس لدرجة استطلاع آراء بعض المواطنين، والحديث عن شهادات ميدانية لبعضهم تتحدث عن النقلة النوعية التي حدثت بعد تدخلات البرنامج الاستعجالي “لتنمية” نواكشوط..، علما أن المشروع وقتها مازال في مرحلة الردم وفقا للعرض الذي قدم معاليه!!
لقد كان وقتها “التحديث” ضمن البرنامج الاستعجالي..، ويحسب لمعالي الوزير الأول، لكن بعد احتراق المحطات، والحديث عن حجم الفساد والتزوير الذي حدث، فضلا عن الأضرار الكبيرة، وغرق العاصمة في الظلام خرج معالي الوزير الأول نفسه ليفند حديثه بالأمس، وذهب أبعد حين أراد تلبيس تلك الجريمة لمن أدخله دائرة الأضواء، ووزره، وكان ولي نعمته بحق، في مشهد تنكري لن يشاهده أحد في أي بقعة من العالم سوى تلك التي نعيش بها، وربما هو جزء أصيل من شخصية أهل هذا المنكب..، حيث تحدث معاليه عن أن المحطات التي احترقت يعود استيرادها لعام 2015، ويؤكد في الوقت ذاته أن الذي تم استيراده في إطار البرنامج الاستعجالي “لتنمية” العاصمة مازال بالمخازن!!
وحين خرج التقرير أكد على أن الاحتراق حدث بعد أيام من دخول الكابلات للخدمة، وأصبح التقرير يتحدث عن برنامج استعجالي للشركة الوطنية للكهرباء بدل البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط الذي كان قبل أمس يتحدث عنه معالي الوزير الأول منتشيا، وبتفاصيله الفنية، وشهادات المواطنين حول أهميته، وعن حله لمشكل نقل الكهرباء بالطاقة التي عجز سابقه عن حملها..، وهو البرنامج الذي حل هو الآخر محل برنامج عصرنة العاصمة، ولم لا وهي مجرد أسماء كتبوها وبالتالي فمن حقهم تغييرها بعد كل فصل..
أثناء تقديم التقرير تحدث معاليه عن عدم لقائه برئيس لجنة التحقيق أثناء عمل اللجنة، وأكد ذلك بشكل قطعي، ليحمل حديث رئيس اللجنة بعده مباشرة عكس ذلك للأسف..
وبالرجوع إلى التسمية الجديدة التي ظهرت في التقرير فإنها تعطي إشارة سلبية، ليس توقفا عند الشكليات والتسميات وإنما لأبعاد أخرى تتعلق بالمسؤولية، فمعلوم أن برنامج “تنمية” نواكشوط هو برنامج معاليه، بينما البرنامج بالتسمية الجديدة هو برنامج شركة، وبالتالي مدراء، ووزارة وصية!!
يقول الرئيس الأميركي الأسبق جون كندي عقب أزمة خليج الخنازير أن للإنتصار ألف أب وأن الهزيمة طفل يتيم، اليوم شاهدنا ذلك في برنامج “تنمية” نواكشوط، خصوصا بالنسبة للجانب المتعلق بقطاع الكهرباء، كما فهمنا أيضا لغة الأرقام التي تم الحديث بها، وعن تنفيذ 94% من البرنامج، ولعل التنفيذ هنا بمعنى الاحتراق، وبالتالي بعد الاحتراق الأخير في المحطات يكون التنفيذ وصل ل 100%، حيث تم حرق الميزانية بنجاح.
يقول المثل الحساني “الفظة ما تنتكل مرتين”، بمعنى أنه لا يمكن للغلاف المالي لتنمية نواكشوط أو شركة الكهرباء أن يستخدم للعلاقات العامة والخاصة، لخلق النفوذ، والتقرب من الدوائر الخاصة، ويترك لعبث الفاسدين وفي نفس الوقت ننتظر منه تحقيق تنمية أو عصرنة أو تحديث لأي قطاع، فسر هزيمة أي طموح للوطن هو ترك غلافه المالي في متناول الأيدي الفاسدة، التي تراكم الثروة على حساب مصالح العباد والبلاد.
لقد وصل الفساد لمراحل مخيفة، ليس في حجمه بقطاع الطاقة، وإنما في انتشاره، ونوعه، والتهاون الحاصل، والذي تحكي صفقة الكابلات والقواطع أبرز فصوله، شركات تأخذ صفقات وليست لها علاقة بقطاع الطاقة، تزور عناصر ملف، وتتجاوز كل الأجهزة الرقابية، وتمر صفقتها بهذا الشكل الخطير والمخيف، ولا أظن أن هناك اليوم قطاعا سلم من قواطع وكابلات الفساد، فهل سنستقبل الإشارة بشكل صحيح، أم أنها ستكون مجرد فصل ستتواصل بعده قواطع الفساد في التدمير حتى تقضي على البلد وكل مقدراته؟



