
يشكل رسو حوار لجنة العلماء والسجناء المدانين بتهم تتعلق بالغلو والتطرف خطوة إيجابية، واستثمارا موفقا لإحدى أوراق القوة التي تمتلكها موريتانيا وربما تنفرد بها في المنقطة، وهي ورقة قوة أهملتها وفرطت فيها كثيرا، أقصد ورقة العلماء الربانيين والدعاة والمخلصين.
وهذه هي المرة الرابعة التي يستفيد فيها سجناء بتهم تتعلق بالغلو والتطرف من عفو رئاسي، وتسوية لملفاتهم بعد إعلانهم مراجعات فكرية بعد حوار يطول أو يقصر مع العلماء، وذلك بعد تجربة 2010 (34 سجنيا)، و2011 (35 سجنيا) و2022 (15 سجينا)، إضافة لـ2026 (9 سجناء، وربما يرتفع عددهم لاحقا بعد استكمال إجراءات إدارية ودبلوماسية).
وقد كان لتنوع وشمولية ومصداقية لجنة العلماء التي أشرفت على هذا الحوار دور محوري في إنجاح هذه التجربة، حيث يتولى رئاستها الرئيس الأسبق للمجلس الإسلامي الأعلى الشيخ محمد المختار ولد امباله، وبعضوية عدد كبير من العلماء من أبرزهم رئيس مركز تكوين العلماء في موريتانيا الشيخ محمد الحسن ولد الددو، ورئيس المنتدى الإسلامي الشيخ محفوظ ولد الوالد، وغيرهم من علمائنا الأجلاء، ومشايخنا الفضلاء.
لا شيء يوجه البشر أكثر من عقائدهم الدينية، وقناعاتهم الفكرية، والسبيل الأمثل والأجدى في مواجهة العقائد والقناعات هو الحوار والنقاش، وإزالة الشبه، وإعادة المتجاوزين إلى جادة الصواب، وقد جربت الوسائل الأخرى طيلة عقود فما أدت شيئا.
أمام موريتانيا الرسمية اليوم فرصة، لاستعادة هذه الورقة، واستثمارها استثمارا سليما، ليس على المستوى المحلي فقط، وهو لا شك أمر مهم، وإنما إقليميا ودوليا، من خلال تسويق هذه المقاربة التي تعالج الغلو والتطرف من جذوره، وتفكك خطابه الذي انبنى عليه، ويقدم فيه العلماء الربانيون الأدلة والبراهين لمن وقعوا ضحية لهذا النهج على خطأ منهجهم، وخطورة مسلكهم، ليعود من عاد منهم على بينة وقناعة، وليجنب ذلك البلد والمجتمع مخاطر وقلاقل وخسائر لا داعي لها.
يمكن لموريتانيا من خلال علمائها الأجلاء، المشهورين بسعة المعرفة وصدق التوجه والحرص على الخير، ومن خلال صيت محاظرها، أن تجنب المنطقة والعالم مخاطر كثيرة، وأن تحل أزمات مستعصية، وأن تتوسط في خلافات مستحكمة، وهي ورقة أهملت كثيرا، وآن لهذا الإهمال أن يتوقف، ولهذا التجاهل أن يوضع له حد.
بإمكان موريتانيا من خلال علمائها وشخصياتها المرجعية، ومن خلال علاقاتها الرسمية وغير الرسمية أن تقدم حلولا في ملفات كثيرة في العالم الإسلامي عموما، وفي إفريقيا والعالم العربي بشكل خاص.
ووفق معلوماتي، فقد كانت هناك محاولات ظلت خجولة للتقدم في هذا الملف، وآن الأوان أن تندفع وتقدم لتثمر أمنا واستقرارا ووحدة تحتاجه المنطقة وتتعطش له الشعوب.
وعلى العلماء أخذ أدوارهم في الصدارة، وتقديم وتسويق الحلول الشرعية للشعوب، وعرض خلافاتها وتناقضاتها على الشريعة الإسلامية، والشعوب في غالبيتهما جاهزة ومتحمسة للانقياد لحكم الله، ولشرعه، وطاعة العلماء والانصياع لما يقررونه.. ولا شيء أرجى لنزع فتيل الأزمات، وإعادة وحدة هذه الشعوب الإسلامية من حل ينطلق من دينها، ويعتمد على عقيدتها، ويحيي فيه الانتماء الإسلامي، والوحدة الكبرى للأمة، ويخرجها من المعارك الصغيرة، والتناقضات المتوهمة والمتجاوزة..



