
لم يكن بيتنا يشبه بيوت العائلات الكبيرة التي أعرفها اليوم.
لم يكن هناك بابٌ فعليٌّ يُغلق في وجه أحد، ولا مجلسٌ يُنتقى له الضيوف بعناية، ولا ذلك الحاجز الخفي الذي يفصل بين “أهل البيت” والغرباء.
منذ طفولتنا تعوّدنا أن نرى أشخاصًا لا يشبهون بقية الناس يأتون ويذهبون وكأنهم جزء من العائلة. بعضهم كان ممن يطلق عليهم المجتمع وصف “المجانين”، والبعض الآخر لم نكن نعرف لهم أهلًا ولا أسماء واضحة.
كانت شخصيات مختلفة ومتفاوتة الحضور؛ منها من استقر طويلًا، ومنها من عبر سريعًا. ومع ذلك لا أستطيع أن أفكر في حياة العائلة دون أن أتذكرهم جميعًا.
وبغض النظر عن الفترة التي ظهروا فيها أو اختفوا بعدها، فقد كان القاسم المشترك بينهم أن أهلهم اختارونا عائلةً ثانية، وربما العائلة الوحيدة لبعضهم. وكان الوالد رحمه الله أول من يحتضنهم، ثم سار الجميع بعده على النهج ذاته.
من كان يتخيل أن منزلًا يعجّ بالأطفال والصغار يمكن أن يؤوي من يطلق عليهم المجتمع “المجانين” أو “فاقدي العقل”؟
محمدو
أذكر جيدًا “المخلوق”، كما كان البعض يسميه رحمه الله. أما أهل الدار فكانوا ينادونه: محمدو، أو محمد محمود.
كان شابًا فتيًّا، لا تكاد تسمع له صوتًا. يبكر صباحًا كعادة الناس حينها، ثم يعود وقت الغداء، ويغادر من جديد قبل أن يرجع مع المغرب ليبدأ طقوسه الخاصة استعدادًا للنوم.
ولا أذكر أننا ـ نحن الصغار ـ كنا نسمع صوته إلا نادرًا، حين يرد السلام على من يلحّون عليه في التحية.
كان متوسط القامة، قوي البنية، كثير الاستياك بسواكٍ تقليدي بطريقة توحي بشيء من فرط الحركة. ولولا احتفاظه الدائم ببقايا العلب الفارغة التي يجمعها من الشوارع، لما لقّبه أهل الحي بالمجنون. فقد كان شديد النظافة، مرتّب المظهر على الدوام.
كانت عيناه تبدوان شاردتين أكثر مما هما حزينتين، تتوسّطان ملامحَ تتقن اللامبالاة بما يدور حولها من أصوات وحركة.
وكنت أسمع تحسّر البعض على “ضياع” رجلٍ وسيمٍ مثله خارج عالم الراشدين.
ولم أرَ السرور يعلو ملامحه الجادة إلا حين يكون إلى جوار الوالد رحمه الله. كان التواصل بينهما صامتًا، لكن معالمه كانت تظهر في ذلك الارتياح المتزايد كلما جمعتهما زاويةٌ من زوايا منزلنا الذي كان يبدو لي فسيحًا دائمًا.
وكان محمدو يسعد أيضًا حين يصنع لنا ألعابًا بسيطة، مثل المراجيح المصنوعة من الأحبال والإطارات البالية التي كان يجلبها ضمن غلّته اليومية من الشوارع والساحات.
البخاري
أما البخاري، أو “لبيخاري” كما كان يلقّبه البعض رحمه الله، فقد كان يحظى باهتمام خاص من الوالد. فما إن يصل حتى يبدأ بالسؤال عن حاله ومكان إقامته.
وسرعان ما ينتقل الحديث إلى معاشه، فيتمتم البخاري بغضب:
“نعم، آن أثري أمالي… نعم أكلت وأكلت، ودائمًا آكل لأني لست فقيرًا.”
فيضحك الوالد رحمه الله ويقول:
“ذاك زاد، ألا وهو المهم.”
ثم يحرص على ألا يغادر البخاري قبل أن يتناول معه الوجبة المقبلة.
وخلافًا لمحمدو، لم يكن البخاري يجلس إلا في مجلس الوالد، ولا يأكل إلا معه إن كان حاضرًا. وكان يشارك في الأحاديث الدائرة دون مقاطعة، حتى وإن لم تكن مشاركته ذات صلة بالموضوع.
ولم تخرج أحاديثه غالبًا عن عمله، مستشهدًا بحقيبة اليد التي لا تفارقه، وبالأوراق الكثيرة التي تتطاير منها، والتي كان يشدّد دائمًا على أهميتها.
وبرغم ارتياده المنتظم لبعض المنازل، فإنه نادرًا ما كان يتحدث عنها أو عما يجري فيها إلا إذا سُئل مباشرة، فيجيب باقتضابٍ شديد.
يقطقط والسيدة المنقبة
أما يقطقط والسيدة المنقبة رحمها الله، فلم تكن زياراتهما منتظمة، ولم يكونا يمكثان إلا بقدر تناول الطعام أو أخذ قسط من الراحة في ساعات القيلولة خلال الأيام الحارة.
وكان يقطقط يصف غالبية موظفي الدولة بعبارته الشهيرة: “اتقطقيط واللگ”. وكان يقول: “كلهم يُقَطْقِطُ ويُلَگْلِگُ”، أي يبلع ويسرق.
ولم يكن يكاد يرى أحدًا إلا وانهال عليه بالنقد، كما كانت له ألقاب خاصة يطلقها على الناس بحسب مزاجه وانطباعه عنهم.
أما الوالد رحمه الله فكان يلقّبه بـ”الفرارة”. وحين يُسأل عن سرّ هذه التسمية يقول:
“الفرارة أحلى ما في الحليب.”
ثم يسترسل في وصف الوالد بصفاتٍ جميلة، يستمد معظمها من الطبيعة وما فيها من صور وتشبيهات.
وكان الناس يتجمهرون حول يقطقط ويطلبون منه أن يمنحهم كنية من كناياته. فكان إما أن يرفض، أو يطلق كنيةً تجعل صاحبها يتمنى لو لم يطلبها أصلًا.
وبرغم حبه للوالد واحترامه له، لم يمنعه ذلك من مهاجمة بعض زوار المنزل أو قاطنيه ممن لا يروقون له.
وأحيانًا كانت السيدة المنقبة تحذو حذوه، فتأتي في الهجير فجأة وتصرخ بأعلى صوتها:
“اخرجوا أيها السراق! ماذا تريدون في بيت ول انجيان؟ فلا هو بالمنافق ولا السارق. اخرجوا، قبّحكم الله.”
فيتنادى أهل المنزل جميعًا لمحاولة تهدئتها أو إقناعها بالانزواء في ركنٍ تستريح فيه حتى “يبرد رأسها”.
فالسيدة المنقبة كانت دائمًا متعبة، تطردها الدُّورُ التي تدخلها كلما اعترتها موجاتُ الغضب والصراخ عند أول ازدراء أو تجاهل. ولم تكن ملامحها الجميلة تصفو إلا حين تهدأ لتأكل أو تصلّي أو تستريح. لم يكن أحد يعرف يقينا ما الذي كسرها؛ كانوا يهمسون باسم ابنةٍ، وبوحدةٍ ثقيلة، وبعاصمةٍ توشك أن تتوحش في وجه القادمين من بساطة البادية والأرياف.
بوبي
كان آخر من اختارنا عائلةً له، قبل رحيل الوالد بسنواتٍ قليلة، شابًا في مقتبل العمر لا تبدو على قسمات وجهه علامات تيهٍ أو اضطراب.
دخل ذات مساءٍ رمضاني قبل الإفطار بقليل، وجلس إلى مائدة الإفطار مع الوالد. ثم تكرر الأمر حتى أصبح الوالد يترقّبه كل مساء.
وكنا نظن أن بينهما معرفة قديمة.
شيئًا فشيئًا أصبح الغريب جزءًا من العائلة، لكننا لم نكن نعرف اسمه. ولم يتجرأ أحد منا على سؤاله عنه، حتى أطلق عليه الصغار لقب “بوبي”. فكان يجيب به، ومع الوقت صار يعرّف نفسه به أيضًا، فيقول مثلًا:
“ذاك اليان بوبي.”
وكان بوبي ينتظر الوالد مستمعًا إلى مذياعه الصغير، كمن ينتظر موعدًا مع أعزّ أصدقائه.
كان الوالد حينها قائدًا مساعدًا للأركان، ولم يكن قد تولى قيادة الأركان بعد. وظل بوبي يداوم على الانتظار بالطريقة نفسها، وبالطقوس نفسها.
وأذكر أنني سألت الوالد رحمه الله يومًا إن كان يعرف لبوبي أسرة أو جهة، فأجاب بالنفي. وحين أبديت تعجبي قال:
“اتركوا المخلوق في حاله، ولا تُظهروا ما يحرجه.”
لقد تعوّدنا منذ وعينا أن الوالد هو الغريب الوحيد في المنزل، لحرصه على ألا يتميز مجلسه بما يتميز به عادةً مجلس كبير العائلة أو صاحب المنصب الرفيع من انتقاء الجلساء والانزواء في أحسن الغرف وأكثرها ترتيبًا.
فطوال حياته لم تكن جلساته تُعقد إلا في أبسط أركان المنزل وأسهلها وصولًا. ولا أبالغ إن قلت إنه لم يدخل الصالون الكبير الذي اجتهدت الوالدة في ترتيبه إلا تلبيةً لرغبة سائلٍ يريد الانفراد به، أو في مناسبة اجتماعية خاصة.
وكنا نتداول كثيرًا من الطرائف عن أشخاص أمضوا معه النهار وتناولوا معه الطعام، ثم يسألون عند نهاية اليوم:
“متى يمكننا لقاء الوزير؟”
أو:
“متى يمكننا مقابلة القائد؟”
فيضحك الحاضرون جميعًا.
بدراعةٍ بسيطة من “الشگة”، ونعلٍ متواضعٍ من “نعل الداخلة” أو “رية مالي”، كان الوالد يمضي بين البسطاء كما هو، دون أن تصنع المناصب بينه وبينهم مسافات، أو تبني الهيبةُ حوله حاجزًا.
ولعلّ سرّ احتضانه لمن لا مكان لهم أنه هو ذاته لم يطلب لنفسه مكانًا؛ فكان الغريب الوحيد في بيتٍ لا يعرف الغرباء. وربما كان ذلك بعض ما جعله في “أفئدة المخاليق” كطعمِ أحلى ما في الحليب: “الفرارة”٠



