
تخيل بغداد في شتاء 1258م، على أبواب المساجد يتجادل الحنابلة والحنفية: البسملة في الصلاة، أهي جهرية أم سرية؟ يتطور النقاش إلى شجار، وتتطاير النعال. الكل منشغل بإثبات صحة مذهبه.
وخارج الأسوار، هولاكو وجيشه يضيقون الخناق. لم يلتفت أحد للخطر. ثم جاء السقوط، فسقطت بغداد وسقط جدال البسملة ،لم يعد هناك من يصلي أصلاً، ولا مساجد تقام فيها الصلاة. جاء من لا يفرق بين حنبلي وحنفي، ولا بين من يجهر بالبسملة ومن يُسر بها.
ألسنا نعيش ذات السيناريو اليوم؟ ليس بالنعال، بل بالترندات والهواتف. نتناحر حول قضايا جانبية، بينما حولنا دول فاشلة وحركات إرهابية على الحدود تترصد، وأزمات تهدد الجميع.
وفي بلادنا، نرى انشغالاً متزايداً بترندات لا تقدم ولا تؤخر. ففي الوقت الذي نشاهد فيه مقاطع فيديو تثير الجدل وتشعل الفتن، وتتردد أخبار تفرق بدلاً من أن تجمع، ننسى أن هناك من يتربص بنا. بعضهم يحاول عبر الشائعات والأكاذيب زعزعة وطننا ، وإشعال فتيل الخلافات حيث لا يصح إلا الاجتماع، لكننا مجتمع واحد لا يفرقنا أي مرتزق.
تبقى الحقيقة التي أثبتها التاريخ: الوحدة الوطنية سد لا يقهر، والتماسك الاجتماعي سلاح لا يصدأ. ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، وخيرنا في اجتماعنا. فلنترك جدال “النعال” الإلكتروني، ولنكن يدا واحدة تحمي الوطن. وطننا يستحق منا أن نكون له درعاً، لا أداة في أيدي من يريد به شراً. اليقظة اليوم أغلى من كل ما نتنازع عليه، والوطن أقدس من أن يكون ساحة للمغامرين.



