
لست سياسيا ولا حزبيا، وليست لي توجهات غير تكنوقراطية محضة، لقناعتي بأهمية الفئة القليلة من التكنوقراط أمام الفئة الكثيرة الرافضة لانطلاق بلادنا نحو آفاق أرحب !
والحقيقة أني، لولا واجب التحفظ الذي يفرضه علي منصبي الحكومي، أكثر ميلا لمحاربة تسييس الإدارة، ربما بسبب انضمامي المتأخر (منذ سنة 2021 فقط)، لدوائر صنع القرار العمومي، ولا سيما منها تلك التي تفكر خارج الصندوق.
لقد كنت، منذ سنة 2018، مشاركا من مواقع مختلفة (بعضها غير حكومي بالمرة) في مساع عمومية حثيثة لإرساء تغيير يحدث قطيعة مع النماذج السابقة، وإن بسلاسة ومرونة وبيداغوجية، مع صرامة تشغيلية وانضباط استراتيجي لا يعرفان المساومة.
ومنذ سنة 2020، كنت ألمس رشاقة التحرك الاستراتيجي للدوائر الضيقة لصنع القرار في موريتانيا عندما تتحرك، وكنت ألمس مراوحتها مكانها، بل والرجوع إلى الخلف أحيانا كثيرة، لأسباب تكتيكية لا يعقلها إلا العالمون الراسخون في الاستراتيجيات وبعد النظر. لكن ثقتي فيها لم تتزحزح أبدا : فالعبرة بالأهداف البعيدة المدى التي لم تتغير، وبالمرونة المتبعة في تنفيذ استراتيجية الوصول إليها، وبالقدرة على جعل كل خطوة يتم القيام بها مساهمة -بشكل ما- في الوصول إلى هذه الأهداف.
والمجال الوحيد الذي لاحظت أن منحنى القرارات العمومية العليا بشأنه ظل في اتجاه تصاعدي هو المجال الرقمي؛ حيث لم يستطع أي من التكنوفوبيين، وما أكثرهم !، ثني “الرجل المتعاقد مع الشعب” (على حد تعبير جون بولتون) عن توجهاته في هذا الصدد.
لقد كان “الرجل المتعاقد مع الشعب” مقتنعا بأنه حيث تؤثر نواقص البشر سلبا على الفعل العمومي، تكون الحلول الرقمية حاسمة في تحسين أداء الإدارة العمومية وإضفاء الشفافية على الشأن العام وضمان الإنصاف في النفاذ إليها. بمعنى أنه لا يوجد خياران -حتى- كي يتعين الموازنة بينهما ! ورغم ذلك، فقد كان اختيار هذا الطريق محفوفا بالمخاطر: البيئة الإدارية ترفض أي تفكير خارج الصندوق، الثقافة المؤسسية الإدارية ضاربة بعمق في الرداءة ومقاومة – بحنق- لأي تغيير، القوانين رادعة لأي خروج عن المألوف الإداري، لا يوجد أي نموذج للتغيير لا يولد آثارا جانبية غير مستحبة، والتكنوفيليون مبغوضون، وأينما ثققوا أخذوا وقتلوا تقتيلا، لسعيهم المزعوم في التفريط في السر المهني وأسرار الدولة… وغيرها من الشعارات الزائقة.
لقد كانت أعلى السلطات في البلد تدرك وعورة هذا الطريق، وخطورته ووحشته. وفي الحقيقة، لا يوجد أكثر وحشة من قرار ريادي يتخذه القائد -وحيدا في الغالب- في تحد لنفسه ولفريقه، وهو المشفق عليه، العزيز عليه ما عنته. ومع ذلك فقد تم اتخاذ الخيار وانطلق القطار، ويبدو أن اللاحقين به ممن كانوا يرفضونه في تزايد كبير لافت.
وخلال سنوات قليلة قادمة، سيدرك الجميع أن ما يقوده “الرجل المتعاقد مع الشعب” اليوم ليس تحولا رقميا فحسب، بل هو تحول أنتروبولوجي سيفضي لاستكمال نواقصنا، وتصحيح أخطائنا، وتطبيعنا مع الممارسات المثلى، وتمكين شبابنا الذين بدؤوا يفرضون حضورهم المميز في الإدارة العمومية والشأن العام. وذلك اختيار ريادي آخر، يتم ترتيبه بحصافة وهدوء، بعيدا عن الصخب والضوضاء.
هنيئا لعمال وزارة التحول الرقمي والابتكار وعصرنة الإدارة MTNIMA وفنييها ومهندسيها وإدارييها بهذه الشهادة من قائد فريقهم !
إلى الأمام، صاحب المعالي Ahmed Salem Ould Bedde : فأنتم اليوم تبنون موريتانيا الحديثة؛ موريتانيا المستقبل !
تدومون كما ترومون !



