آراءتغريدات

على خلفية الجدل الدائر اليوم ..

الإعلامي: أحمدو ولد اندهمر

في التسعينات أدركت ممايدركه الصحفي في مؤسسة التلفزة الموريتانية،  أن التلفزة هي المبتدأ والمنتهى والكل في الكل، لكل ماتعنيه التغطية الإعلامية للأحداث واللقاءت الرسمية والشعبية،  وصحافتها ضيوف مبجلون يستقبلون عند مداخل المدن بالحفاوة والترحاب والتودد الكبير لامتلاكهم آنذاك الحشد الأكبر من مفاعلات التأثير والترويج عبر ثلاثية الصورة والصوت والكتابة، واختزال كل عمل مؤسسات الإعلام الرسمي الأخرى في في فريق واحد ..

واتذكر ممايتذكره الأقدمون كذلك ، أن الحدث كان يتوقف… ويهمس الجميع في آذان اصدقائهم انتظارا لوصول فريق التلفزة ليبدأ الحدث ، أو يتأجل ، ولو بحضور المؤسسات الإعلامية الاخرى..

وبهذه الميزة العظيمة التي صنعتها ” فرادة ” المهمة آنذاك ،من الطبيعي جدا ، أن يُنزل فريق المؤسسة منزلته المستحقة،  ويستدعى على انفراد،  وتسند إليه “التوصيات “الهامة المتعلقة بالعمل ، وطريقة المعالجة ، ويُبجل بكل أنواع اللطف والتوقير لبلوغ الغايات ، كل ذلك بعيدا عن أعين الزملاء في مؤسسات الاعلام الأخرى..

مؤخرا ، كنت في تغطية لمقابلة مهمة ،وفوجئت،  أنا المتعود على أن لي مساحة وقت هائلة للوصول للحدث ، فوجئت بالمسؤول  وهو يفك ربطة عنقه، يتصبب عرقا وينتضي سيجارته، في آخر نفس من التعب والارهاق بعد إنتهائه من المقابلة ذاتها التي بسببها جئت أنا …وكنت قبل ذلك قد تصادفت  في السلالم مع فريق إعلامي مدجج بكل تجهيزات التغطية، والعدة والعدد ، وقد أكمل مهمته للتو ..

ألقيت التحية على الوزير المنهك،  ورحب بنا ، وسألنا ما خطبنا،  وماذا نريد ؟

شرحنا له المهمة ، وأن المقابلة مبوب عليها منذ فترة ،وموعدنا هو اليوم ، فثارت ثائرته وصرخ على أعوانه يسأل ويتساءل عن الفريق الذي كان معه ؟

وبعد دقائق وصله الخبر بأن الفريق الذي كان معه هو فريق لمؤسسة إعلامية رسمية وليست التلفزة الموريتانية!…

وكان حظنا العاثر أن نختار بين امرين،  العودة في الصباح الموالي ، أو انتظار تجفيف العرق، واستعادة انفاس المسؤول الخارج من توه من عملية قيصرية منهكا وخائر القوى ..

شعرت في هذه اللحظات أن عهدا جديدا اطل ، وان ذلك الجلال والنور الذي كان معي قد ذهب  وولى إلى غير رجعة ..وأصبحت مجرد x في حلبة صراع لاترحم ..

في ذات الوقت أنصفت المؤسسات الإعلامية الاخرى على مسايرتها للركب وتجنيد كل الوسائل المتاحة لبلوغ المتابع والمشاهد ولو كانت دخيلة على نسبها الوظيفي والمهني الأصيل  ..لأن الغاية تبرر الوسيلة،  والمُنتهى والمنشود هو الحضور،  وإغراق بصر وبصيرة المتلقي..

اليوم تقوم الدنيا ولاتقعد،  على فتية آمنوا برسالتهم، واختصروا الطريق على متابعيهم، وعرفوا مايحرك مشاعر الجمهور ويستدر ولاءه،  فصنعوا أمجادهم خارج حلبات الشهرة التقليدية،  وبوسائل جد متواضعة وبعفوية لايشوبها تكلف ولا تصنع ، فانهالت عليهم الشهرة من كل حدب وصوب، واصبحوا صدارة الصدارة في المشاهدة والمتابعة،  وتوجيه الرأي العام ، وهم الآن مبجلون وفي مقدمة الركب لقضية وطنية كبرى ، الهدف منها مصالحة المواطن مع وطنه وسياحته الداخلية..

والسبب بسيط وهو اتساع رقعة المشاهدة لدى هؤلاء الفتية،  وقدرة نفاذ رسالتهم الى الجميع ،شيبا وشبابا،  فهم اليوم بحكم الواقع هم المؤثرون،  وهم المُتبعون،  في حينِ يتراجع دور القدوات  الإعلامية التقليدية مسافات بعيدة إلى الخلف تحت وطيس حلبة صراع الشهرة والمؤثرين ،   وأعيش أنا هذه اللحظات التي اعتدت التصدر فيها،  بعيدا عن الأضواء مكتفيا بالفرجة ومتابعة الجدل الدائر،  ولي متسع من الوقت لكتابة هذه الحروف بذهن صاف يشعر صاحبه أنه حقا خارج الحلبة ، بعد ما كان في صدارتها.. وكما يقال يوم ماهو لك ….

هكذا هو واقع حال الميديا اليوم ، وجنون وسائط التواصل الاجتماعي،  وصناعة اترند والتأثير !

هذا زمنهم،  وغدا ، من يدري من يكون المتصدر  ، فلربما يكون بصدد الطبخ هذه اللحظات على نار هادئة .. اللهم سلم .

وهكذا دواليك ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى