
في البداية لابد من التنويه والإشادة بالتوجيهات الرسمية لقضاء العطلة في الداخل، ولاشك أنها توجيهات ذات بُعد استيراتيجي، إلا أن حصول ذلك على الوجه المطلوب يتطلب الكثير من العمل وليس فقط الحملات “الإعلامية الدعائية” إذا كنا فعلا نريد تنشيط الاقتصاد المحلي وربط المواطن بوطنه بعد سنوات من الضياع في موجة من الهجرات المدمرة هجرة من الداخل نحو العاصمة وهي هجرة الأسر ذات الدخل المحدود وهجرة أخرى من الوطن نحو أوروبا وبعض دول المغرب العربي وهي خاصة بالطبقة البروجوازية.
* السياسة كمدخل لحماية المدن الداخلية ( الطائعية نموذجا)
لقد قدم نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع نموذجا سياسيا فريدا في وجه هزات قوية كانت ستعصف بالانسجام الاجتماعي بين مكونات الوطن، فعلى الرغم من مباغتة محاولات الانقلابات العرقية له بعد سنوات قليلة من حكمه فقط استطاع أن يتجاوز ذلك سريعا بفضل رؤية سياسية استيراتيجية فقد استثمر في العقول السياسية القادرة على تسيير المجتمعات الأهلية فاستطاع بذلك الحفاظ على المكون الأكبر في التركيبة الاجتماعية للبلد (البيظان بشقيهم الأبيض والأسمر).
ونعكس ذلك على استقرار السكان في المدن الداخلية بعد موجة هجرة قوية أيام الجفاف في السبيعنات، وكان لنموذج التركيز على دعم التعاونيات النسوية وحملات نقل المزارعين والكفالات المدرسية دور بارز في ذلك مع تصدر قيادات سياسية محلية مؤطرة على قييم تسيير تناقضات المجتماعات الأهلية وتمتلك كاريزما القيادة الميدانية:
شيخ الحله يدبلها
ويل زلت يصبلها
والنوبه يعط جلها
ويتكاعس عند الحاسِ
ويل ما هاذ كلها
صار الناس كالناس
* المال السياسي كمدخل لموت السياسة وتفكك المجتمعات (المحمداتية نموذجا)
بعد نهاية “نظام ول الطائع ” ومع أول انتخابات تشريعية بدأ المال السياسي في الظهور بالشهد السياسي تدريجيا، وقد استفحلت الظاهرة كثيرا في الدورات الانتخابية المتتالية 2013 – 2018 – 2023 حيث أصبح المعيار الأول في الترشح وتصدر قيادة المشهد السياسي في الأحزاب السياسية سواء كانت معارضة أو موالية هو المستوى المادي للشخص حتى وإن كان لا يملك أدنى مستوى من التكوين السياسي.
وفي ظروف ابعاد السياسي هذه راجت خطابات التفكك حيث لم يعد للجناح السياسي الرسمي أي قدرة على خلق خطاب رسمي متقن يواكب توجهات الدولة، بل أصبحت السياسة الرسمية قائمة على ردات فعل وغالبا تكون حلول آنية تهدف لتلطيف الأجواء في ظرف سياسي محدود دون مراعاة المخاطر مستقبلا.
ومن تلك الوسائل معيار المحاصصة اللونية التي أصبحت مبتذلة واثبتت فشلها تماما، كما فشلت المحاصصة الطائفية في إحدى الدول العربية الشقيقة ووضعتها في مأزق اللادولة.
* التكنوقراط ووزراء الصدف جزء من المشكلة
لعل أبلغ رد يناسب تقديم “التكنوقراطي المغترب” كحل سحري للمشاكل المطروحة محليا هو رد رجل بدوي في صحراء تيرس عندما زاره “أحد الرفاق” بخيمته في ستينيات القرن الماضي وبدأ يقدم له نظريات العظيم ماو تسي تونغ رد عليه ببرودة أعصاب ” ولِّ ماوك هذا يعرف آسكاف”.
ومع أن الحكمة العربية تقول: أهل مكة أدرى بشعابها.
ففي حكومات ما بعد الطائعية برزت ظاهرة التركيز كثيرا على اختيار الكفاءات التكنوقراطية المنعزلة عن المشهد السياسي المحلي والمجال العام عموما على حساب الكفاءات السياسية الميدانية المهمشة، وبعد مدة قصيرة يبدأ أصحابنا في محاولة دخول عالم “فن السياسية المحلية” التي كانوا يعتبرونها مضيعة للوقت، فتصبح تجربتهم أقرب لحالة الطائر المعروف شعبيا ب”عيشه رخمه”.
لذا فإن انتظار نتائج تنموية بمنح المسؤوليات لأبناء وبنات المتنفذين على الرغم من غيابهم عن المشهد الوطني قبل “التكليف المنتظر” لن يقود إلا إلى انفجار اجتماعي قاتل فمن غير المعقول أن يستمر استغلال القوى الحية بالمجتمع في اللحظات الفاصلة، ويتم منح الامتياز والاعتبار لمجموعات متنفذة.
خاتما وتضامنا مع مئات الأسر الضعيفة في البلديات الريفية والمقاطعات الذين سيدفعون ثمن ” التوجيهات الرسمية” هذا العام باستقبال عشرات الأطر من جمهورية تفرغ زينه الذين لم يكن لهم أي اهتمام يذكر بمعاناة السكان في الداخل من غياب الخدمات الضرورية، نذكر رئيس الجمهورية وهو المسؤول الأول أمام الله والشعب أنه ولأول مرة في تاريخ الجمهورية ستشرف ثاني مأمورية لرئيس على الانتهاء وآخر عهد له بزيارة المقاطعات يوم كان مترشح لأول مرة 2019، ولاشك أن ذلك مؤشر -بالإضافة لكل ما سبق- على ضعف أداء الطاقم الاستشاري المحيط بالرئيس وادارته الإقليمية.



