
لئن كان العلمُ تاجًا يُتوَّجُ به الأفاضلُ، فإن الخُلُقَ الحسنَ هو جوهرُ هذا التاج، وبه يزداد بهاؤه إشراقًا ونُورًا، كما أن السموُّ يُكتسبُ بالمعرفة، فإن التواضع يُكلله، إذ لا عظمة للعالم ما لم يقترن علمُه بالحلم، ولا يكون النابهُ موقَّرًا إلا إذا ازدانت رتبتهُ بالأدبِ الجمِّ والخُلُقِ الكريم. إنه عَلمٌ في سماء الفضل، ووتدٌ في أرض المروءة، تألق بصفاء الفكر وبهاء الطبع، فصار رمزًا يُشار إليه بالبنان.
حين تلتقيه، ترى في شخصه هيبة العالِم المتبحر، ووقارَ المفكر المتزن، ودماثة الأديب الرقيق، رجلٌ جُمِعَت له محامدُ الرجال، وصيغت في خُلقه أنبلُ الشمائل، تُبهرُك فصاحةُ لسانِه وبلاغةُ بيانه، وكأن حروفَه تنثالُ دررًا، تتزينُ بجمالِ السجعِ حينًا، وتزدهي بجزالةِ المعنى حينًا آخر، فتغدو كالمزنِ الهَطّال يسقي القلوب قبل العقول.
صحيح أن البحر لا يزيده فيضُ الجداول إلا اتساعًا، وأن الشجرة المثمرة هي التي تنحني تواضعًا؛ ذلك شأنه، إذ لم تزده مراتبُ العِلْمِ إلا وَقارًا، ولا علوُّ المكانةِ إلا قُربًا من الناس، يُنصِتُ بإمعان لمن يخاطبه، كأنما يستقي من حديثه حكمةً، ويردُّ برقةِ العالمِ الذي يُعلِّم بحسن خُلقه قبل ألفاظه.
لم تكن رفعته وليدةَ صدفةٍ عابرة، ولا ثمرةَ مجدٍ مُستعار، بل هي نتاجُ سعيٍ دؤوب، وجُهدٍ متصل، وإخلاصٍ لا يعرفُ المواربةَ ولا الالتواء، فهو منارةٌ تُهتدى، وصوتٌ يُسمع، وقلمٌ يصدح بالحق في ميادين الفكر والسياسة والمعرفة، حتى أصبح نموذجًا يُحتذى، وسيرةً تتناقلها الألسن بالثناء على السموٍّ في الفكر، والعظمةٍ في الأخلاق، والرُقيٍّ في التعامل، ولا غرو أن يجله من اقترب من سيرته فهو العالِمُ الذي لم يزده العلمُ إلا تواضعًا، والسياسيُّ الذي لم تزده المسؤوليةُ إلا نُبلًا، والمُعلِّم الذي لم تزده المعرفةُ إلا كرمًا في البذل والعطاء، حفظ الله معالي الشيخ، الدكتور الخليل النحوي وبارك في علمه وعمله، وأبقاه نبراسًا يُضيء دروبَ الطامحين، ومنارةً تُشِعُّ بنورِ العلمِ والخُلُقِ القويم.



