آراء

عن الحوار

السعد بن عبدالله بن بيه/ رئيس مركز مناعة الإقليمي لليقظة الاستراتيجية

ينسب لأحد الفلاسفة بأن “إعادة نفس الفعل لأكثر من مرة وتوقع نتيجة مغايرة، هو ضرب من الجنون أو الحمق”!
ليست هذه المرة الأولى التي يهتم فيها المنتظم السياسي الموريتاني بمسألة ” الحوار” !
لقد أصبحت الدعوة للحوار بغض النظر عن دوافعه وأسبابه ومضامينه وأطرافه وغاياته؛ “تقليدا مستحكما” لا يسفر عادة عن شيء ذو فائدة يهم الدولة والمجتمع، على نحو استراتيجي وملموس ، بدليل “متلازمة الدعوة للحوار” التي لا تعرف التوقف لدى الأحزاب وحتى السلط المتعاقبة، سواء قبيل أو بعيد الانتخابات، أو خلال الفترات العادية لسير المؤسسات العامة في ظروف لا تتسم بالاستثنائية!
هذه الدعوة السرمدية للحوار، هي دعوة للاستهلاك السياسي وفي أحسن الأحوال هي دعوة غائية تتذرع للوصول إلى أهداف ومكاسب آنية شخصية وحزبية – لدى مختلف الأطراف سواء بعض مكونات السلطة والموالاة أو المعارضة –
إن الحوار من حيث المبدأ يمثل – بلا شك- قيمة حضارية وآلية لا بديل عنها، لكن ما هي طبيعة الحوار الذي تحتاجه موريتانيا اليوم، هل هو حوار سياسي يروم إعادة تحديث المجال السياسي العام؟ أم أنه حوار مجتمعي يروم إعادة تمكين وترسيخ، مفاهيم الوحدة والوئام والتماسك المجتمعي؟
أم أنه حوار تنموي إقتصادي، يروم إعادة التفكير في الأزمة التنموية المعقدة والمركبة، التي جعلت بلادنا تستقر رغم الثروات الحيوية المتنوعة والكثيرة، وعدد النسمات المحدود في مربع الفقر الدائم وتردي نوعية الحياة؟
أم أنه حوار فكري وثقافي وديني، يروم إعادة الاعتبار للتدين الموريتاني السمح والمتعايش والمرن، ومواجهة ظاهرة التشظي العنيف المتنامية فكريا ومسلكيا ؟
أم هو كل ذلك؛ حوار شامل متعدد الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية؟
وإذا كان هذا الحوار الشامل مطروحا بهذه الحدة؛ فما هي الأطراف المرشحة موضوعيا للجلوس على طاولته؟ وما هي الرؤى ووجهات النظر العلمية والموضوعية، التي تحملها والتي يمكن أن تقترحها، لوصف وتحليل الأبعاد المختلفة للهم الوطني العام، في تلك المجالات وغيرها؟ وما هي المداخل والحلول القابلة للقياس التي تقترحها ؟
ثم إذا كانت النخبة التي في الحكم الآن، تعترف بأن هناك أزمة أو أزمات تحتاج حلولا ؟ فلماذا لا تعمد مباشرة – وهي التي تحوز الشرعية الدستورية والقدرة المعنوية و المادية والإدارية- إلى إقامة الحل في الواقع، من خلال قرارات وسياسات تنفيذية، ذات نتائج ملموسة، بدل تفويت الوقت ومجاملة الخصوم!
لماذا لا يجد الرأي العام لدى النخبة المعارضة أيضا، رؤية سياسية وفلسفة اجتماعية واقتصادية، قابلة للقراءة والفهم والاقناع، تمثل بديلا لما هو قائم الآن، من الرؤى والمسلكيات والمنهجيات، التي دأبت عليها الممارسة التقليدية للشأن العام منذ الاستقلال حتى الآن.
يمكننا بقليل من الجرأة – رغم ابتعاد هذه المعالجة عن تقديم أجوبة- أن نفكر اليوم باتجاه مغاير ؛
●الأول : هو مراجعة ” مفهوم التهدئة السياسية ” والذي يعتبر تقنية أدت دورها في حينه ، أي ما بعد انتخابات 2019 الرئاسية؛ -وعلى الرغم من موضوعية الأسباب، التي تقف خلف مفهوم التهدئة في الفترة الماضية – إلا أن الاستمرار في التشبث بهذه الرؤية، سينتج مزيدا من المشكلات البنيوية، فيما يتعلق بالمجال السياسي، من أهمها قتل قيمة التدافع والصراع السياسي، الذي يجدد المياه والدماء السياسية فيما ينتج عنه، من التباري في تقديم السياسات والأفكار والأعمال البديلة.
كما أنه يشيع الكسل والاسترخاء، بل الاستغلال من بعض الأحزاب والمنظمات، التي تسكن إلى المغنمية والريعية السياسة .
والأخطر من كل ذلك ما قد يؤدي إليه؛ من جمود سياسي مستحكم، يلقي بظلاله على مستقبل الأجيال، ويدخل الحياة العمومية في حالة من التوقف الذهني، ومحاصرة الخيال السياسي والطموح لدى هذه الأجيال .
والرأي البديل هنا؛ هو وضع قواعد لعبة سياسية جديدة، قائمة على التنافس الايجابي والحر، وفق ضوابط قانونية حاكمة، في ظل محيط شرعي تدار فيه العملية السياسية، وهو ما سيسهم في استعادة المواطن الموريتاني للسياسة، وإعادة الثقة في الفعل والفاعل والمؤسسة السياسية، بدل ظاهرة العزوف السياسي المستشرية، والتي مثلت خطرا محدقا في ظل الانتخابات الأخيرة.
●ثانيا: إعطاء مساحة ضافية وواسعة، في تفكيرنا العمومي المقارب حول الأزمة العمومية في موريتانيا ” للمسألة الاقتصادية” إن الفشل التنموي في بلادنا من :
– فشل في استغلال الثروات الوطنية وعدم خلق القيمة المضافة
– وعدم بناء قاعدة اقتصادية حقيقية منتجة في مجالات: الطاقة والزراعة والصناعة والتجارة.
وما نتج عن ذلك من الاخفاق في تحقيق وضع تنموي، يؤمن الفرص و التشغيل والدخل ومستويات مقبولة من التعليم والصحة والثروة للجميع ، هذا هو ما يقف سببا حقيقيا خلف الشعور بمختلف الأزمات الاجتماعية، المتعلقة بالوئام والمواطنة والحقوق.
فالاقتصاد أولا وليس السياسة في موريتانيا؛ لمن يريد أن يفهم بشكل مجرد وموضوعي، خلفية الشعور بالأزمة العامة.
● ثالثا: إفاضة المجالس بين النخب الوطنية؛ داخل البلاد وخارجها، ومحاولة بناء تحالف وطني عريض، بين مجموعات من النخب المتجاوزة والجامعة لتقديم رؤاها وخلاصة تجاربها، لاستنقاذ الوطن من حالة التوقف التنموي العنيد، فليس من المقبول في مجتمعات القرن الواحد والعشرين، أن تكون هذه حالة مجتمعنا وبلدنا الآن، الذي لا ينتج معرفة ولا غذاء ولا دواء ولا سلاحا …إلخ
وخلاصة الكلام ؛
إن أي حوار يتم بالصيغ التقليدية، وبذات التجارب التي مررنا بها، لن يتجاوز أن يكون تسلية ومضيعة للوقت، وأن الحوار الحقيقي الذي تحتاجه موريتانيا؛ هو وقفة حقيقية ومخلصة مع الذات الوطنية ومساءلة الضمير الوطني، من خلال وضع أسئلة الهم الوطني الحقيقية، وإشراك النخب الوطنية من داخل السلطة وخارجها، ومن مختلف المجموعات، في وقفة لله والتاريخ. تخرج بلدنا من حالة الفوات التاريخي، وتدخله إلى العصر بكل ما فيه من فتوحات وازدهار ومنافع، أصبح يرفل فيها الجوار القريب قبل البعيد لبلدنا ؛ وهو استحقاق قد لا يظل الوقت متاحا له دائما ” استحقاق تلافي الخروج من العالم الحديث”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى