آراءتغريدات

الفساد…عطبٌ في الروح الجماعية

الإعلامي: سيدي النمين

لم يكن المجتمع الموريتاني في أيّ وقتٍ من تاريخه أقربَ إلى مفترق الطرق كما هو الآن. ففي السنوات الأخيرة، بدا وكأن البلاد بأسرها تعيش اهتزازاً داخلياً عميقاً؛ اهتزازاً لا تصنعه العواصف الكبرى بقدر ما تنتجه التحوّلات الهادئة التي تنساب في الشقوق الدقيقة للمجتمع، فتعيد تشكيل رؤيته لنفسه، وللسلطة، وللمال، وللمكانة، وللمعنى الحقيقي للنفوذ.

كان الحكم عند الموريتانيين ـ على اختلاف اتجاهاتهم ـ فضاءً مشبعاً برهبة قديمة، خليطاً من تقدير للموقع واعتراف بالمهابة التي يقتضيها تسيير الشأن العام.

أمّا اليوم، فقد انحسرت تلك الهالة شيئاً فشيئاً، ليحلّ محلّها تصورٌ آخر أكثر مباشرةً وبراغماتية: الحكم ليس عبئاً عاماً بقدر ما هو مائدةٌ مفتوحة، ومن جلس على طرفها امتدّت يده ـ أو امتدت إليه الأيدي ـ بحثاً عن نصيب.

ولذلك لم تعد العلاقة بين المواطنين والسلطة علاقةً عمودية تستند إلى الرمزية، بل غدت علاقةً أفقية في كثير من الأحيان؛ علاقةً تختلط فيها الطموحات بالأطماع، وتتداخل فيها مطالب العدل برغبات الاستفادة.

هذه الموازنة الجديدة بين “الحق” و”النصيب” أفرزت طبقة اجتماعية تنظر إلى الدولة كخزان لا ينضب، وإلى الوظيفة العامة كجسرٍ إلى الوجاهة المادية لا إلى الخدمة.

من بين المفردات التي صعدت بقوّة خلال هذه المرحلة، برزت كلمة “اتفگريش” التي كانت في بداياتها مجرد مزحة لغوية تحمل سخرية من الإفراط في التبرير.

غير أن فصول الزمن الاجتماعي حملتها إلى معنى آخر، حتى غدت عقيدة سلوكية ذات طابع شبه فلسفي، تبرّر كل اقتحام، وتُشرع كل التفاف، وتُلبس الفساد لباس “الجرأة” و”الفهامة”.

إن “اتفگريش” ليس مجرد سلوك فردي، بل هو نموذج ثقافي يقوم على فكرة واحدة: لا تترك باباً دون طرق، ولا فرصة دون اقتناص، ولا موقعاً دون تحويله إلى مكسب. ومع انتشار هذا النموذج، صار معيار الرجولة والإقدام في بعض شرائح المجتمع يقاس بمدى القدرة على اختراق المنظومة لا بخدمتها، وعلى جمع الامتيازات لا على حماية المصالح المشتركة.

تاريخ الفساد في موريتانيا ـ كما في كثير من البلدان ـ لم يكن في يومٍ من الأيام منفصلاً عن الأفراد ، لكن المستجد الذي حملته السنوات الأخيرة هو تحوّل الفساد إلى بنية أسرية لدى البعض: رفاهٌ منزلي لا تفسّره الرواتب المعلنة، أنماط استهلاك تتجاوز حدود الطبقة، ووعيٌ داخلي بأن مصدر الرخاء ليس شفافية الجهد بل غموضه.

هذا التحوّل لا يكمن خطره في الفعل وحده، بل في التطبيع العاطفي معه: زوجةٌ تعرف ولا تعلّق، أبناءٌ يدركون ولا يسألون، أسرةٌ تتكافل على الصمت، ثمّ تتحول بمرور الزمن إلى دائرة حماية للممارسة ذاتها. وهكذا يفقد الفساد صفة “العار”، ويتحوّل إلى ركنٍ من أركان البيت، إلى شيء يشبه الأثاث: موجود، مألوف، وضروري للحفاظ على مستوى معيّن من الرفاهية!

إن غياب المصارحة الذاتية هو ما يجعل معركة مكافحة الفساد في منظور المواطن العادي فصلا من فصول المسرح: ممثلون يتفاخرون بأدوار الإصلاح على خشبة الخطاب، بينما الكواليس تتحدث لغة أخرى تماماً.

في وسط هذا المشهد، جاءت وسائل التواصل الاجتماعي كقوة جديدة أربكت التوازن القديم. فقد أزاحت جدار الصمت، وفتحت الباب أمام المواطنين لفضح الممارسات ورفع مستوى الوعي، فجعلت من الخطاب الأخلاقي سلطةً شعبية موازية لسُلطة المؤسسات.

لكن هذه المنصة ذاتها سرعان ما تحولت إلى سيفٍ مزدوج الحدّين:

فبقدر ما مكّنت المجتمع من مراقبة ذاته، مكّنت أيضاً مشاريع الفساد من ضرب بعضها البعض. وغدا من الصعب التمييز بين البلاغ الصادق وبين التصفية المتستّرة، بين كلمة الحق لوجه الحق، وبين كلمة الحق لوجه المصلحة.

إن المجتمع الذي لم ينجح بعد في الفصل بين “الرقابة” و”الانتقام” يجد نفسه في فضاءٍ ردمي رقمي تتجاور فيه الحقيقة مع التحامل، والمبدأ مع الحساب، والفضيلة مع التشهير.

ليست هذه التحوّلات قدراً لا يُردّ، بل هي نتيجة مسار طويل من إعادة تعريف القيم. وإعادة تعريف القيم ليست مهمة الدولة وحدها، بل هي مهمة المجتمع بكل طبقاته:

• مهمة المدرسة التي ينبغي أن تربّي على النزاهة لا على الحيل.

• مهمة الأسرة التي يجب أن تعيد الاعتبار للعيش وفق الممكن لا وفق المسروق.

• مهمة النخبة التي عليها أن تستعيد دورها الأخلاقي، بعدما خلطت بعض الأصوات بين الجرأة والانتهازية.

• مهمة الفضاء الرقمي الذي يجب أن يتحوّل إلى منبرٍ للتمحيص لا ساحة للانتقام.

إن طريق الإصلاح لا يبدأ بالقوانين ولا باللجان، بل يبدأ من قلب الفرد: من تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يكون كما يقول، لا كما يُظهر أو يَظهر؛ وأن يربّي أبناءه على أن الكرامة أثمن من الثراء، وأن المال الذي يجمع من غير حقّ يحمل داخله ظلّه، وظلّه أطول من الضوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى