آراءتغريدات

‎المركزة الإستراتيجية واللامركزية الشاملة

الإعلامي: محمد ماء العينين ولد خالد

تعلّمنا تجارب الأمم أنّ كل شعب، في كل مرحلة من مسيرته، يحتاج إلى نمط من السلطة يتناسب مع تحدياته. وقد قال الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إنّ فرنسا احتاجت إلى سلطة مركزية لتتأسس، ثم إلى سلطة لامركزية لكي لا تتفكك.

أما موريتانيا اليوم، فإنها تواجه معادلة مشابهة ولكنها فريدة في طبيعتها.

فهي بلد شاب ما زال هشّاً، لكنه يحمل وعوداً عظيمة: ثرواته الطبيعية، موقعه الجغرافي الإستراتيجي، وقبل كل شيء تنوعه البشري.

غير أنّ الحقائق الصعبة قائمة أيضاً: ما يقارب نصف مواطنينا لا يعرفون القراءة والكتابة، وثلث السكان يعيشون في الفقر المدقع، فيما ما تزال مجتمعاتنا تحمل جراح التمزق والانقسام. ويضاف إلى ذلك بيئة إقليمية تطبعها العنف والتهريب وعدم الاستقرار.

في هذا السياق، يحتاج بلدنا إلى سلطة مزدوجة:

سلطة مركزية قوية، إستراتيجية وحامية، تضمن الوحدة الوطنية، والعدالة، والأمن، والتسيير العادل للثروات.

وسلطة محلية مسؤولة وشاملة، تقرّب الدولة من المواطنين، وتلبي حاجاتهم اليومية، وتحارب الفقر، وتجسد التضامن الوطني وصولاً إلى البلديات والولايات.

فالدولة التي تركز كل شيء بين يديها تنتهي بالانفصال عن شعبها، بينما الدولة التي تذوب في الانقسامات المحلية تعرض نفسها للتشرذم.

إنّ الطريق الموريتاني لا يمكن أن يكون إلا طريق التوازن: مركزية إستراتيجية تحفظ الوحدة، ولامركزية شاملة تبني الثقة والتنمية.

هذا المشروع يتجاوز التقنية؛ فهو خيار حضاري. إنه خيار موريتانيا التي يجد فيها كل مواطن نفسه في الدولة وفي مجتمعه في آن واحد؛ موريتانيا التي لا تنفي وحدتها تنوعها، بل تنظم هذا التنوع وتثمنه.

ذلك هو الأفق: أن نبني بلداً قوياً في المركز، متضامناً في القاعدة.

وإذا عرفنا كيف ننجح في هذا التحول المزدوج، فإن الحوار الوطني المرتقب لن يكون مجرد لقاء، بل سيشكل محطة انتقال تاريخية نحو المرحلة الحاسمة للأمة المكتملة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى