آراء

جديد النزيف في معركة القلم وحرية التعبير

سيـد أمحمـد أجيـون

أُعلن في مدينة لاس بالماس الإسبانية، مساء اليوم الثلاثاء، عن وفاة الأخت والصديقة والناشطة السياسية مغيلي بنت محفوظ، بعد صراع مرير مع المرض خلال رحلة علاجية شاقة.

كانت الفقيدة مثالًا للحيوية والطاقة الإيجابية منذ أيام الجامعة، حيث عُرفت بطيبتها وخلقها الرفيع، متجسدةً ذلك في سلوكها القويم وقيمها النبيلة.

كما كانت الراحلة من أبرز الشخصيات المؤثرة في البلاد، بفضل مواقفها الصلبة وقدرتها المقنعة على الدفاع عن آرائها.

الراحلة هي شقيقة الصحفي الشهير الراحل حبيب ولد محفوظ، مؤسس صحيفة القلم، التي لعبت دورًا محوريًا في الساحة الإعلامية الموريتانية، وأسهمت في تعزيز المهنة بأسلوبه الرصين ولغته الجزلة، مع الحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية بلغة موليير.

رحم الله الفقيدة، وتغمدها بواسع رحمته، وأسكنها فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهذه مناسبة، رغم الحزن، لإعادة نشر مقال سبق أن كتبته وفزت به بجائزة أفضل مقال لعام 2017

حبيب محفوظ .. الكاتب التربوي

‎قمـة التوفيق أن تكون من الذين يحسبهم البعض أمواتا فيما هم أحياء عند ربهم يرزقون، سيما إذا كانو باقين بإسهاماتهم وعطائهم وقيمهم النبيلة تاركين ورائهم من يؤمن بحكمتهم ورزانة سلوكهم وإن اختلفوا معهم في الرؤى السياسية والإيديولوجية

‎حبيب محفوظ واحد من هـؤلاء الخالدين في التاريخ و المتوزعين عبر العالم بأكمله بخصالهم الجامعة بما فيها من إنسانية ومعارف لا تترك مكانا لجهل أي جزء مهما كان نوعه

‎حبيب موريتانيا ولد بالتزامن مع استقلاها عن هيمنة المستعمر، وعاش شهرين من ما اتفق عليه بالإستقلال الذاتي،ما يشي بأن الرجل ولد في عصر الإستقلال كما كانت ولادة أمي العزيزة
‎ولد الكاتب والأستاذ حبيب محفوظ رحمه الله من رحم الاستقلال الذي يبدو أنه قناعة جِينية مرتبطة على الأقل من حيث الظروف بإستقلاله عن السلطة ومجابهتها بالإنتصار للقضايا العادلة من منظوره

‎خلال واحد وأربعيـن عامـا فقـط تكونت ثقافة ضخمة لإطار من الطراز العالي يمتلك سلوكا و أخلاقا ومعاملات جيدة مع الجميع حسب رفاقه ومن عايشه لتتشكل من هذه الخصال ظاهرة فريدة من نوعها عمادها الأسلوب الرصين والإملاء الجيد و الجمل الراقية الحَصيفة البعيدة من الحشو

‎فهو باختصار أديب مستمسك بناصية لغة « مولير » بنضج مفرداته التي يفوح منها عبق الثقافة الواسعة لكن ذلك لم ينسيه تهكم « الديمانين » التي تعد مدرسته الأم، ذات الخصوصية الموريتانية التي تزخر بعبق التاريخ والحكمة

‎فإن كان ل « رابلي وفولتير وسان انتونيو » قراؤهم الثابتون،فإن الكاتب المحبوب أستطاع أستقطاب بعضهم بل أكثر من ذلك، من خلال جمهوره الواسع خارج الوطـن وداخـله، و الذي كانت نخبته الفكرية إلى عهد قريب جدا تنهل من معين الفكر الفرنسي وتعاليمه بل وحتى تقتبس من مفرداته

‎وانطلاقا من جرءته الواضحة وفرض الحرية كما يرى كثيرون،أيام كانت عين الرقيب منتبهة ونشطة، وأيام كان الحزب الواحد هو المسيطر بعيدا عن التعددية في التعبييـر ولا وجـود حتى لخانـات لها أو سعة صـدر فـي صفحـات السلطـة فـرض حبيـب نفسـه

‎للتذكير فإن حبيـب قـد ألـف كتـاب “الموريتانيـد” الشهيـر المتألـف مـن أزيـد مـن 400 صفحـة تحـدث فيـها عـن التطـور السياسـي فـي موريتانيـا مـا بيـن 1991 و 2001 ،مسوقـا رؤيتـه الجليـة مـن ثقافـة مجتمـع البيظـان، هـذا وقـد بـات « الموريتانيـد » بمثابـة الدليـل العمـلي لسوسيولوجيـا المجتمـع الموريتانـي الرحـل

‎وقـد أسلـم حبيـب الروح لباريها مسـاء الخميس الحادي والثلاثين أكتوبر من العام 2001 بعـد صـراع مـع المـرض فـي باريـس تاركـا وراءه أرملـة وثلاث بنـات وقلـم كما يقال بالإضافة لكونه مؤسس مدرسة حرية التعبير الوليدة

‎ورغم معارضته في الطرح والنظر إلى أنهم جميعا أتفقوا على أن مفرداته تنسيهم توجهه السياسي المعارض ريثما تنتهي قراءة النص لما فيه من دروس على مستوى اللغة والبيان والدهاء

‎وقد كتب في كل من صحيفة موريتانيا الغد، فالبيان ثم القلم وإن كان كل قرائه يتذكرون جيدا مقاله الأول في سن مبكرة من العمر والمعنون برسالة إلى جمل فثلاثية الصحف هذه ربما تجمع في مدلولهـا الإرتباط بالوطن والتناوب على السلطة والتعايش السلمي بسلاحه المفضل المعروف بالقلم لكونه المحرك الأساسي لكل ما جرى وسيجري من تحولات في هذا البلد ، فما أحوجنا اليوم لكتابات ككتاباته في عصر أنبرى فيه كل كتابنا المتميزين وبتنا مجبرين على القراءة لذاتها لا لشئ آخـر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى