آراءتغريداتمنوعات

أَتْميْلِّيگ النية

جدو ولد خطري

لو رفعتَ عينيك فوق نواذيبو في أواخر التسعينيات، لرأيتَ شبهَ جزيرةٍ تمتدُّ في المحيط كذراعٍ لا تريدُ أن تُفلِتَ شيئاً، وعلى يمينها ميناءٌ يبتلعُ السفنَ ويقذفُ بالحديدِ والحياة، وعلى يسارها خليجٌ يتنفّسُ ببطءٍ كحيوانٍ نائم. بينهما مدينةٌ لا تتوقّف؛ قطاراتٌ تنزلقُ من الشرقِ محمّلةً بخامِ حديدِ الصحراء، وتعودُ فارغةً كأنها نسيت شيئاً، وشباكٌ تُرفَع، وأسماكٌ تُفرَّغ، وأصواتٌ بكلِّ لغاتِ الأرض: إسبانيةٌ، وفرنسيةٌ، وروسيةٌ، وصينية، وبينها حسّانيةٌ حادّةٌ كريحِ البحر. الثلاجاتُ تعمل، والرافعاتُ تصرخ، والعملةُ تدورُ في الجيوبِ كما يدورُ الماءُ في القنوات. كانت نواذيبو ليست مجرّدَ مدينة، بل موريتانيا مصغّرة: سمراءُ من الجنوب، بيضاءُ من الشمال، وكلُّ لونٍ فيها يبيعُ ويشتري ويسكنُ بجوارِ الآخر دون أن يسألَه من أين جاء. وفي نواذيبو، المالُ لا يبقى؛ يخرجُ مساءً في حوالاتٍ صغيرة إلى عدل بگرو، والنعمة، وكيفة، وتجگجة، وأطار، وسيليبابي، وبوتلميت، وروصو أنجاگو، وإلى أيِّ مكانٍ فيه بيتٌ ينتظر. كان أهلُ الوطنِ كلُّهم يشربون من بئرِ نواذيبو دون أن يروا البئر، وإذا عطست نواذيبو أصابَ الزكامُ الجميع.

في هذا الجو، كان رجلٌ في الثلاثينيات يمشي بخطوةٍ لا تعرفُ التوقّف. الناسُ يسمّونه «تيفاي»؛ الرجلُ الذي يفعلُ كلَّ شيءٍ ولا يعرفُ شيئاً واحداً بالتحديد. يبيع، ويشتري، ويوسّط، ويقترض، ويَعِد، ويؤجّل، ويظهرُ دائماً في المكانِ الصحيح قبل أن يُطلَب. كان يريدُ أن يكونَ في الداخل، حيث تُقرَّرُ الأشياء، لا في الخارج حيث تُنفَّذ. لم يكن يريدُ الغنى فحسب؛ كان يريدُ أن يتوقّفَ عن الانتظار. كان ينتظر، كما ينتظرُ كلُّ تيفاي في هذه المدينة فرصتَه الكبرى، وجاءت الفرصةُ على شكلِ تعيينِ قريبٍ له مديراً عاماً لإحدى كبريات المؤسسات.

كان الرجلُ طيّبَ الوجوه، هادئَ الطباع، ذا كفاءةٍ عالية، لا يرفعُ صوتَه ولا يبيعُ ذمّتَه. لكنه كان يحملُ شيئاً لم يلاحظْه الناس: خوفاً قديماً من القرابة. كان يعرفُ أن كلَّ من حولَه سيحاولُ أن يمدَّ يدَه، وأنّ كلَّ رفضٍ سيكونُ خيانة، وأنّ كلَّ قبولٍ سيكونُ تورّطاً. لذلك اختارَ الصمت، وبنى حول نفسِه جداراً من الأدب. حين عُيِّن، جاء إليه الشابُّ ليهنّئه، فصافحَه الرجلُ وقال: «بارك الله فيك»، ثم أضاف بصوتٍ خافت: «لا تجعلني أندم». ضحكَ الشاب، ولم يفهمِ الرجلُ أنّ الضحكةَ كانت جواباً.

لم يطرقِ الشابُّ الباب، بل ذهبَ إلى النافذة. اتصلَ بمديرِ المشتريات، وكانت الجملةُ الأولى بسيطة: «أنا ابنُ عمِّ المديرِ العام». لم يقلها مرّة، قالها مرّاتٍ وبصيغٍ مختلفة، حتى صارت صوتاً في رأسِ الرجل. ومديرُ المشتريات لم يكن شرّيراً؛ كان رجلاً في الخمسين، له أولادٌ في الجامعة، ورهنٌ على البيت، وسنواتُ خدمةٍ لم تنتهِ بعد. كان يعرفُ أنّ المديرَ العام رجلٌ نظيف، وأنّ أيَّ صفقةٍ غيرِ قانونيةٍ ستكونُ خطأً فادحاً. لكنه كان يعرفُ أيضاً أنّ رفضَ ابنِ عمِّ المديرِ العام يعني أن يجدَ نفسَه غداً في مكتبٍ آخر، أو بلا مكتب. والخوفُ لا يحتاجُ إلى علم؛ الخوفُ يحتاجُ فقط إلى احتمال. فأعطاه الصفقة، وقال لنفسِه: «سأجعلها صغيرة، ولن يعلمَ أحد». لكنّ الصفقةَ لم تكن صغيرة. كانت عن إبادةِ الفئران (dératisation) في مستودعاتِ الشركة، بمبلغٍ كبير، أكبرَ بكثيرٍ من حجمِ الفئران. لم يسألِ الشابُّ عن التفاصيل، وقّع، وبدأ العمل، وانتظر الدفع.

بعد أشهر، صار الشابُّ يطالبُ بتسديدِ الفاتورة، لكنّ المديرَ العام لا يوقّع. والتقاريرُ تعودُ إليه من المستودعات: الخسائرُ زادت، والفئرانُ لم تنقص، والمؤسسةُ تطالبُ بالاستعانةِ بشركةٍ جديدةٍ على وجه السرعة. الشابُّ يعودُ مرّة، ومرّتين، وثلاثاً. المديرُ العام يستقبلُه واقفاً، يصافحُه، يجلسُه، ويستمع. لا يقاطع، ولا يرفعُ صوتَه، ولا يتّهم. فقط يستمع. والصمتُ في هذا البلد أطولُ من أيِّ كلام. وفي إحدى المرّات، في قاعةِ الاجتماعات، بحضورِ المدراءِ المعنيّين، وقفَ الشابُّ يطالبُ بحقّه. وحين انتهى، تكلّمَ المديرُ العام.

لم يبدأ بالشاب. بدأ بالقصة. قال إنهم، قبل إعطاءِ الصفقة، اختاروا فأراً واحداً من المستودع، ووزنوه، وأطلقوه في زاويةِ مراقبة. انتظروا، ثم أتت مبيداتُ الشاب. انتظروا أشهراً، ثم أعادوا الوزن. الفأرُ لم يمت، بل زادَ وزنُه ” فَنْقَ ” أضعافاً. قالها بصوتٍ خفيفٍ وكأنه يشرحُ درساً لتلاميذ: «يبدو أنّ مبيداتِكم ليست قاتلة… بل مفتّحةٌ للشهية ” أَتْميْلِّگ النية ” ». ثم أضاف بنبرةٍ لم يفهمْها كلُّ من في القاعة: «الفئرانُ التي كانت تأكلُ الموادَّ المخزّنة أصبحت بعد علاجِكم السمينِ تتطاولُ على أنابيبِ الماءِ والأسلاكِ الكهربائية. زادت خسائرُنا، وزادت الفئران. فبدلَ أن تعوّضوا ما سبّبتْه مبيداتُكم من تَبْلاح وتخريب، تطالبوننا بتسديدِ فاتورةِ عملٍ لم تنجزوه». ثم أشار إلى صورتين على الطاولة: فأرٌ نحيل، وفأرٌ بدين ” مَتْفتل ” علق : «انظروا. قبل. وبعد». وضحك. لم يضحكْ أحدٌ سواه. «كأنّكم كنتم تقومون بعمليةِ أَتْميْلِّيگ نية، لا إبادة».

في القاعة، صمتٌ ثقيل. مديرُ المشتريات كان ينظرُ إلى يديه، ويبحثُ فيهما عن شيءٍ لم يجده. كان يعرفُ أنّ اسمَه سيُذكرُ في التقرير، وأنّ الرهنَ سيُدفع، وأنّ الجامعةَ ستبقى. الشابُّ ينظرُ إلى الصورتين؛ الفأرُ الأول يشبهُ فكرتَه عن نفسِه قبل أن يدخلَ هذا العالم، والثاني يشبهُ كلَّ ما صار إليه. نهضَ المديرُ العام، وطوى الأوراقَ بهدوء، وقال: «الفاتورةُ لا تُوقَّع. والشيءُ الوحيدُ الذي أُبيدَ في هذه الصفقة… هو الثقة». وخرج. خرجَ مديرُ المشتريات بعدَه، بخطوةٍ أثقلَ من خطوةِ رجلٍ أنهى اجتماعاً. وخرجَ الشابُّ أخيراً، وحدَه. لم يتّصلْ بأحد، ولم يمرَّ على أيِّ مكتب. مشى في الزقاقِ الضيّق، يسمعُ الثلاجاتِ تعمل، والرافعاتِ تصرخ، والبحرَ يتنفّس. وفي جيبِه، كانت الفاتورةُ التي لم تُوقَّع، تثقلُ أكثرَ من أيِّ مبلغ. وحين وصلَ إلى الباب، لم يسألْه أحدٌ عن الحوالةِ هذه المرّة. فقط فتحوا له، وقالوا: «تغديت ؟». قال: «لا». وأغلقَ الباب.

بقي الفأرُ على الطاولة، شاهداً. وفي مدينةٍ لا تموتُ فيها الفئران، بقي السؤالُ معلّقاً. لكنه لم يكن فأراً. كان كلَّ صفقةٍ لا يعلمُ بها صاحبُ القرار، وكلَّ توقيعٍ لم يجرِ بعد. في هذا البلد، لا يُقتلُ الفسادُ بالمبيدات، بل يُسمَّنُ بها؛ فالقريبُ اسمُه مفتاح، ومن خافَ المفتاحَ سلّمَ الباب. وحين يُعيَّنُ الكفؤ، يُتركُ وحدَه في المستودع، ويُستعارُ اسمُه في غرفةٍ لم يدخلْها، فإن رفض، خرجَ الجميعُ وبقي هو والفأر. وكلّما رُصدَ مالٌ لمحاربتِه، ازداد، وكلّما كثرتِ اللجان، سمن، حتى لم يعدْ يفرّقُ بين ما يُخزَّنُ وما يُحرَس، ولا بين رزقِ الناسِ وخزينةِ الجميع. فيبقى الحارسُ وحدَه، ويتقاسمُ الآخرون ما لم يُوقَّعْ بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى