آراءتغريداتتقنيةمنوعات

”كان أنا ،وكنتُ هو “

فاطمة بنت انجيان

علمتُ وأنا على وَشك الهبوط في مطار نواذيبو بتعرّض والدي العقيد المتقاعد سالم ولد ممو لوعكةٍ صحيةٍ طارئة، فقررتُ أن أصل رحمه، وأن آنس برؤية أقربِ أخٍ وصديقٍ لوالدي رحمه الله.

ذهبتُ صحبة أخي وابن عمتي اسلم ولد سيد بلقاسم، فكان اللقاء.

كأطفالٍ عادوا لتوّهم إلى حضن أبيهم بعد حرمان، تعلّق كلٌّ منا بذراع “papa” سالم؛ مزيج من فرحٍ حزين ساد المكان — ربما بسبب تاريخ اللقاء (يومان قبل ذكرى استشهاد الوالد)، أو لتباعد الزيارات، أو لطغيان الذكريات… لا أدري.

كان معنا آخرون انسحبوا واحداً تلو الآخر كلما اشتدّ تحلّقي أنا وإسلم بسالم؛ لم يبدُ المكان مناسباً لغيرنا. ومراقبٌ واحدٌ اختار أن يتأمل المشهد من بعيد، هو امربيه ولد سالم ولد ممو.

موجةٌ من التذكّر استدعتها ملامحُ وجوهٍ لم تعد بطفولتها وشبابها، وذكرياتٌ أخرى حضرت باستحضار الماضي وبعض أحداثه المشوقة.

كانت البداية مع سؤالي لسالم: متى دخل الوالد الجيش؟ لتتوالى بعدها أسئلةٌ كثيرة، وعينا باب سالم تبرقان وهو يفكّر برهةً قبل أن يجيب. كان كالطفل في انفعالاته وهو يتحدث عن صديقه ورفيق دربه في بضع كلمات.

كان هو واسلم يرتّبان تواريخ محطاتٍ متعددةٍ من مراحل تقدم الخليلين في الرتب والتكوينات العسكرية والوظائف المدنية والعسكرية.

قال سالم إنه كان مكوِّناً معتمداً للياقة البدنية قبل أن يتقدّم لاكتتاب الضباط سنة 1967. وبينما ينتظر المشاركون المرحلة التالية للامتحان بعد الانتهاء من الأولى صباحاً، طلب ثالثُ الإخوة والرفاق، الشيخ سيداحمد ولد باب مين، من سالم أن يسأل المشرف متى تبدأ بقية الامتحان، نظراً لأن سالم كان معروفاً في الأوساط العسكرية بنشاطه الرياضي المميز.

ارتقى سالم السلالم ليلتقي عريفاً أجنبياً، فمدّ يده ليصافحه، غير أن الأخير ردّ بالفرنسية بما معناه: “احتفظ بيدك المتسخة”، فما كان من سالم إلا أن جذبه من قميصه وكاد يرميه من الطابق الأول، لولا تدخّل بعض الحاضرين الذين خلّصوه بصعوبة. غادر سالم مقر الاكتتاب من بابٍ آخر، مقرراً في نفسه ألا يعود.

وتشاء الأقدار أن تجمعه بخليله في امتحان السنة المقبلة، فينجحان معاً، ويشتركان في جميع مراحل التكوين العسكري الأساسي.

من التكوين الأساسي، إلى تكوين ضباط الاحتياط في روصو وفرنسا، ثم تكوين الضباط في اتشرشل وباتنة بالجزائر، وصولاً إلى دورات الأركان والحرب في فرنسا — خاض الرفيقان تجربة حياةٍ ربطت بينهما حتى أوشكا على التماهي، لولا اختلاف الهيئة والطباع.

لا أبالغ إن قلتُ إن صداقة الرجلين تُكذب المثل الحسّاني: “فحلين ما يخلطو فمراح واحد” (أي أن قائدَين لا يجتمعان في موضعٍ واحد).

قائدان يملكان كل مميزات القيادة والهيبة، ويختلفان في طرائق القيادة بل وفي الطباع، استطاعا أن يحافظا على صداقةٍ لم يكن جانبها الإنساني هو الأصعب، وإنما الجانب العسكري، في مراحل دقيقةٍ من تطور مؤسسة عسكرية سادها لوقتٍ كثيرٌ من الوشاية والتحرّي حول علاقات الزملاء.

ومع أنني أؤمن بمقولة المرحوم غازي القصيبي إن السرّ، ككل شيءٍ في الحياة، له عمرٌ محدد، بنهايته يفقد سريّته، إلا أنني مرغمةٌ على تجاوز بعض التفاصيل التي تدخل في خانة أمانة المجلس.

وكذلك سالم، رفض أن يطلعني على ما اعتبره سراً بينه وبين خليله؛ قال الكلمة، وشرد قليلاً، وعيناه تزدادان بريقاً وأساريره مبتسمة، قبل أن ينظر إليّ بحب ويقول: “متبري منك مان راد ش” (إليكِ عني، لستُ بقاصٍّ شيئاً).

حاولت أن أستدرجه للحديث عن أسرار علاقتهما الخاصة، وذكّرته ببعض المواقف: أنه كان يشاهد معنا المسلسلات المدبلجة التي تُعرض الثانية ظهراً، وكان الوالد رحمه الله يقول له: “يا البخنوس هاذ ماه شقلة” فيجيبه: “أح امشي الهيه” (دعني وشأني). فتدخّل إسلم قائلاً إن الطاهي المرحوم “لغظف” كان يمازحه محمد الأمين رحمه الله، فينبّهه أن يُحسن صنع الطعام عند وصول سالم، ويقول له: “أيو ويلك سالم ماه كيفتن، نحن ال تستعمرن” (إياك يا سالم، فهو ليس كأمثالنا، نحن الذين استُعمِرنا).

قلتُ له إن بزّته العسكرية ظلّت معلّقة إلى جانب بزّة الوالد حتى وقتٍ قريبٍ بعد استشهاده، فقاطعني قائلاً: كنا نطلب من أمك في ليالي نواكشوط الحارّة أن تنام في مكانٍ آخر، وأنام أنا وصديقي تحت التكييف. ثم ضحك.

سألته عن موقفٍ مضحكٍ بينهما، قال: المواقف كثيرة. ثم توقّف ليقول بصوت يقاوم الارتعاش: يمكنني أن أقول جازماً — والله على ما أقول شهيد — إنني لم أضحك بالمعنى الحقيقي للكلمة قط بعد رحيل صاحبي، كما يمكنني أن أجزم بأنني أكاد أكون الوحيد الذي كان يُضحكه.

طلبتُ منه مثالاً علّ التذكّر يُبعد شبح الحزن ولو لحين، فاستجاب قائلاً: زارني مرةً في زويرات، فلاحظتُ اهتمامه بـ”إِلويش زين” عندي (سجادة صلاة مصنوعة من جلد الخروف وصوفه)، فتذكّرتُ أحد الزوايا الذي كان قد ذكر أمامي أن أمنيته أن يحصل على “إلويش واف عن لكلام” (سجادة غاية في الكمال)، فقمت وأخذتُ “الإلويش” وقدّمته هدية للرجل. وعندما رأيته يبحث عنه باهتمام، قلتُ له: “ذاك ال اتلودلو اعطيتو آن” (ذاك الذي تبحث عنه، أعطيتُه أنا).

وكنا إذا خرجنا لنأكل في مطعمٍ في عطلة نهاية الأسبوع، أصرّ على الانفراد باختيار الطلب المشترك، لأننا لم نملك ما يغطّي طلبين، وكان يعلّق لي دائماً: “يا سالم، إن العدل جميلٌ ومحمود في الاختيار والقسمة”، ثم يضحك وكأنه يستعيد اللحظة، ثم يردف: كان يعرف أنني سأترك له القليل.

هنا تدخّل مربيه قائلاً: عندما كان محمد الأمين قائداً للجيش، وسالم قائداً للحرس الخاص لرئيس الجمهورية، لاحظتُ أنه يعيد ارتداء “دراريع” قديماتٍ يملكها منذ الثمانينات، فاقترحتُ أن نذهب لاقتناء دراعةٍ جديدةٍ يصلّي فيها العيد. ذهبنا إلى شارع “le champ” واشترينا بعض الدراريع، وبينما نحن نصفّ السيارة، إذا بمحمد لمين ينزل من سيارته، فقال لي سالم: لا تدع محمد الأمين يرى ما في الأكياس… لكنه لاحظها، ونظر بداخلها، ثم سأل: سالم، من أين لك هذا؟ أنا أكبر منك راتباً، “دراعتي زين من الشگة” (دراعتي جيدة وهي من النسيج البسيط). فقال سالم: لستُ المسؤول، هذا من فعل مربيه وحده.

طال الحديث دون أن نشعر بالوقت، وكأننا في حلقة نقاشٍ استشفائيٍّ للروح؛ كان سالم يؤكّد التواريخ مرةً، ويتردد مرة.

تحدثنا جميعاً وكأننا أطفالٌ نحكي قصص دهشتنا الأولى، وبعض الدموع الرقيقة تتسلل من أطراف العيون بين الفينة والأخرى.

حاولنا استدرار الذاكرة بذكر بعض المحطات والمواقف، وبينما أنا واسلم نتبارى في استعراض الذكريات، قال سالم بصوتٍ متأثرٍ قويٍّ في خفوته:

لقد كان أقربَ وأغلى شخصٍ عرفته في حياتي…

كان أنا، وكنتُ هو…

أتعبتُه بالدفاع عني وتفسير سلوكي كلما كنتُ حازماً ملتزماً بقناعاتي، وأتعبني بالقلق عليه كلما خشيتُ عليه من تفرّده وإقدامه… كنتُ أحمد الله إذا سمعتُ إشاعةً تقول إنه جريح في حرب الصحراء، فأقول في نفسي: على الأقل سيرجع.

ومع كل الحب و”الفلش” والعهد الذي طبع علاقتنا، لم أكن أتصور أنني أحبه إلى هذا الحد، ولا أنه مهمٌّ في حياتي بهذا القدر الذي يتجاوز كل روابطي العائلية والإنسانية.

وأكثر ما يؤرّقني أنه رحل ولم يعرف أنه كان بالنسبة لي كل هذا… ربما لم أوفَّق في أن أُريه مكانته عندي.

بدأ هذا القائد الكبير، والشخصية العسكرية المهابة المعروفة بالصلابة والقوة، يظهر أمامي لأول مرةٍ بهذا الانكسار .

بدا أمامي لأول مرةٍ دون تلك الصبغة العسكرية، وكأنه تقاعد أخيراً، وتحرر من كل عسكريةٍ إلا تلك التي تذكره بخليلٍ مضى فجأة دون وداع، تاركاً وراءه ما يؤرّق الأحبة: اكتشافُ فجوة الرحيل، وقيمةُ البوح قبل فوات الأوان.

غادرت وقد اطمأننتُ عليه بعض الشيء، وفي نفسي رغبةٌ في العودة إلى النقاش وحلقة التذكّر. فما لا يدركه والدي سالم أنه استطاع أن يضحك مرة أخرى، ولو عبر اجترار ضحكاتٍ من الماضي عبرت من نافذة الذاكرة في ساعة صفاءٍ صادقة.

رحم الله والدي الشهيد وأطال عمر خليله سالم ورحم جميع اموات المسلمين والمؤمنين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى