آراءثقافة

ليلة اختفاء الرئيس خارج حدوده.

سيد امحمد أجيون

في ليلة شتوية بدت أطول من التاريخ، في الثالث من يناير عام 2025، كانت المدينة النائمة على حافة البحر تستلقي فوق أسرارها العميقة.

وفي قاعدة عسكرية محصّنة بالعتاد والجاهزية والأوامر، كان الرئيس وزوجُه يغوصان في صمت الليل، بعيدَين عمّا يجري خلف الأسوار.

ظنّا أن أسوارَ السلطة أعلى من الريح، وأن أبواب الحديد أقوى من الزمن.

لكن الريح… لا تستأذن.

فجأة، انفتح صمت الليل على وقع أقدام رهيبة.

ظلال سوداء تسلّلت إلى الخدر كما تتسلّل الحكايات إلى الذاكرة.

لم يلمسوا الأبواب، بل مرّوا عبرها كما لو أنّ الحديد مجرّد وهم.

استيقظ الرئيس — صاحب الحسّ والبصيرة — على ضوء أبيض قاس، لا يشبه ضوء الشمس ولا القمر… بل ضوء المحاكمات العسكرية.

لم يُمنح وقتا ليرتدي هندامه المهيب، ولا ليعيد ترتيب شعره، ولا ليغسل وجهه الباسم.

كانت زوجته إلى جواره، مكبّلَين، بلا وثائق، بلا صفة رسمية، وبلا أوراق للعبور.

رحلة تشبه العبور إلى كابوس لا يشبه الأحلام… ولا يشبه الواقع.

ولم تكن تلك أوّل مرة تُفتح فيها بوابةُ الليل على قلوب القادة الكبار..

ففي زمن مضى، وفي أرضٍ بعيدة، اقتيد جنرالٌ سابق بالطريقة ذاتها، في اليوم والشهر نفسيهما… غير أنّ العام كان 1989.

ومنذ ذلك الحين ظلّ السؤال يتردّد كالطَّرق على جدار قديم:

هل للبوارج والغواصات قانون؟
أم أنّ الحكم للأجنحة التي تُحلّق خارج حدود المراقبة والاستشعار؟

في شوارع مدينة لا تنام — مدينة تصنع الضوء كما المعنى — وقف الرئيس الستيني في مشهد رمزيّ حادّ:
رئيسٌ بلا قصر… وطنٌ بلا حدود… وعدالةٌ تمشي بلا محكمة.

كانت الصورة أقوى من القيد،
وأشدَّ حضورًا من الصوت،
لكنها لم تُخفِ ذلك السؤال المُرّ:

من يحاكم مَن؟
وأين تقف الحدود حين تسحقها الأقدام الثقيلة؟

وهل ما زال للميزان كلمة… حين تميل الكفّة إلى جهة القوة؟

أما الحكاية فما تزال مفتوحةً على نهايتين:

سجّانٌ هرمٌ يعشق المغامرة، ينتظر لحظة اعتذار، وكأنّه لم يسمع يومًا باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية — التي وُقّعت بعد مولده بخمسة عشر عامًا —
وسجينٌ ينتظر أن يختار القدرُ دورَه في المشهد الأخير… علّه يكون شرارةً تُعيد رسم موازين القوة والنفوذ في هذا العالم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى