مريم محمد فاضل الداه… أيقونة التأثير الهادئ وصورة القيادة المسؤولة

في كل مرة تطلّ السيدةُ الأولى، الدكتورة مريم محمد فاضل الداه، تبهر العقول وتستميل النفوس، لا ببلاغة القول ولا بأضواء الظهور، بل بما تعكسه شخصيتها من عمقٍ إنسانيٍّ ونُبلٍ أخلاقيٍّ ووعيٍ راسخٍ بمسؤولية الموقع الذي تمثّله.
وفي كل مرة تختار أن تتوارى عن الأضواء، تبقى بصماتها شاهدةً على حضورٍ لا يغيب، وعطاءٍ لا يعرف التوقف، وإرادةٍ لا تنكسر.
إنّ مشاركة السيدة الأولى – عبر تقنية الاتصال المرئي – كضيفة شرف في ورشة المصادقة على خطة عمل مبادرة «نساء إفريقيا في التعدين» (WiM-Africa) للفترة 2025 – 2030، لم تكن مجرّد محطة بروتوكولية عابرة، بل لحظة رمزية تختصر مسيرة امرأةٍ استثنائيةٍ آمنت بأنّ القيادة فعلُ تأثيرٍ لا موقعُ وجاهة، وأنّ أدوارَ السيدة الأولى يمكن أن تتحوّل إلى رافعةٍ حقيقيةٍ للتنمية والتمكين حين تتسلّح بالعلم، وتُهذّبها الأخلاق، ويقودها التواضع.
ولعلّها مفارقةٌ تستحق التأمل: أن تكون أول سيدة أولى في تاريخ البلاد تحمل شهادةً عليا، وأن تختار – عن وعيٍ وكرامة – أن تستقيل من عملها حفاظًا على مكانتها ونأيًا بنفسها عن مهاتراتٍ قد تمسّ عرضها، وأن تواصل بعد ذلك تقديم خدماتها الجليلة للوطن من دون منصبٍ رسمي ولا راتبٍ شهري.
أليس ذلك أبلغ ردٍّ على من يُشكّك في النيات أو يختزل الأدوار في الألقاب؟
لقد كانت الدكتورة مريم، وما تزال، ركيزةً أساسيةً فيما تحقق على صعيد تمكين المرأة، ودعم الشباب، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة والصمّ، انطلاقًا من فطرةٍ إنسانيةٍ أصيلةٍ وتكوينٍ علميٍّ وعسكريٍّ يفرض عليها الانضباط والصبر والتنظيم، ويغرس في شخصيتها روح الخدمة العامة.
وليس غريبًا على مَن نشأت في بيتٍ موريتانيٍّ أصيلٍ كان موئلًا للفكر والرأي، أن تكون حاملةً لرسالةِ الحوارِ والتجميع، ومجسِّدةً لقيمِ الشموليةِ والتسامح.
وفي المقابل، فهي أمٌّ لبيتٍ صوفيٍّ عريقٍ ومشيخةٍ رسَّخت في وجدانها محوَ الأنا والتواضع، كما أنها شريكةٌ في صناعة القرار بوعيٍ عميقٍ وحُسنِ تدبير
ومن هذه العناصر جميعًا يتكوّن مزيجُ القيادة المسؤولة: معرفةٌ راسخة، وانضباطٌ صارم، وإنسانيةٌ متدفقة.
فمن امتلك ذرّةَ اعترافٍ بالجميل، لن يتردد في تقدير من قدّمت للوطن استشاراتٍ مجانية، واحتضنت بيديها الضعفاء والمغبونين، وواصلت بعزمٍ وهدوءٍ صناعة الأثر بعيدًا عن صخب المنابر وضجيج الادعاء.
إنها ليست فقط سيدةً أولى في البروتوكول، بل أيقونة القيادة الرشيدة في لحظاتٍ تحتاج فيها الأوطان إلى القدوات أكثر من حاجتها إلى الشعارات.



