
في منشور بتاريخ 18 يونيو الماضي، كنت قد ذكرت أنّ “توافق واشنطن” وخطاب لا بول للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران هما وجهان لعملة واحدة: الأول استهدف السيطرة على الموارد الإفريقية، والثاني أراد التحكّم في سياساتها العامة.
اليوم يعود هذا الموضوع بقوة مع اقتراب موعد الحوار الوطني، حيث يلوّح البعض باحتمال إدخال تعديلات على الدستور، خاصة في ما يتعلّق بمسألة عدد الولايات الرئاسية. مثل هذا الاحتمال سيثير دون شك نقاشات محتدمة، لكنه لا يجب أن يحجب عنا تفكيراً أوسع: وهو التفكير في حدود ومخاطر النموذج الديمقراطي المسمى بـ “نموذج لا بول”، الذي شكّل الإطار الضمني لدساتيرنا.
لقد شكّل الخطاب الذي ألقاه فرانسوا ميتران في يونيو 1990 منعطفاً حاسماً: إذ للمرة الأولى أصبحت المساعدات الفرنسية مشروطة بوجود التعددية السياسية وتنظيم انتخابات منتظمة. ورغم تقديمه كخطوة تقدمية، إلا أن هذا النموذج أظهر، بعد مرور ثلاثين سنة، حدوده وانحرافاته.
المأخذ الأساسي عليه كان طابعه الخارجي. كما أشار جان-فرانسوا بايار: “لقد طُلب من إفريقيا أن تتد民主وفقاً لنموذج جاهز، دون أخذ تاريخ مؤسساتها السياسية بعين الاعتبار”. وهكذا اختُزلت الديمقراطية في مجرد إجراءات انتخابية، فُرضت على مجتمعات هشة، تعاني من الفقر والأمية وعدم الاستقرار المؤسسي.
هذا الاختزال كرس رؤية حدّية: حيث أصبح تنظيم الانتخابات هو الهدف المركزي، على حساب العدالة الاجتماعية والإنصاف. وكما يذكّر أشيل مبمبي: “إن الفيتشية المرتبطة بالانتخابات التعددية حجبت القضايا الحقيقية: تقاسم السلطة، الوصول إلى الموارد، وتحويل شروط الحياة”.
لقد تحولت الديمقراطية إلى ريع سياسي، يمنح شرعية دولية لنخب محدودة، فيما ظلّت الشعوب مقصاة. وفي كثير من البلدان، ساهم التعدد الحزبي المفروض في تعميق الانقسامات الإثنية والمجتمعية، بل وكان أرضية لبعض الحروب الأهلية. وكما يشير ريتشارد بانغاس: “الأحزاب تشكّلت على أسس زبونية أو مجتمعية، مما فاقم من تمزق النسيج الاجتماعي”.
والأخطر من ذلك أنّ هذا النموذج عزّز تبعية جديدة. فبرتران بادي يرى أنّ “استيراد المؤسسات الديمقراطية أبقى الدول الإفريقية في علاقة تبعية رمزية وعملية تجاه الغرب”. وبدلاً من تشجيع بروز أشكال سياسية نابعة من الداخل، أطال نموذج لا بول أمد الوصاية الضمنية، وأعاق نشوء نماذج متجذرة في الثقافات الإفريقية.
وخلاصة القول: إذا كان هذا النموذج قد نجح في وضع الديمقراطية على جدول أعمال إفريقيا، فإنه أيضاً أنتج آثاراً سلبية: إضعاف الدول، تفاقم الانقسامات الداخلية، تبعية متزايدة للخارج، مساس بالسيادة الوطنية، وتهميش الأولويات الاجتماعية. وكما كتب مبمبي: “لن تتمكن إفريقيا من إعادة ابتكار ذاتها إلا عبر ابتكار أشكالها السياسية الخاصة”.
المسألة إذن ليست رفض الديمقراطية، بل إعادة التفكير فيها كعملية جماعية، متكيّفة مع الواقع المحلي وموجهة نحو العدالة والتماسك الاجتماعي.
وفي اللحظة التي ينخرط فيها بلدنا في حوار وطني، يصبح من الضروري أن نستخلص دروس لا بول من أجل بناء ديمقراطية متجذرة في واقعنا، تخدم الوحدة الوطنية والتقدم الاجتماعي.



