آراء

محمد محمود ولد أبي المعالي… رجل من طراز خاص

سيد أحمد سيدنا

حين يُذكر الإعلام الموريتاني، يبرز اسم محمد محمود أبي المعالي كأحد أعلامه الذين جمعوا بين المهنية العالية، والخلق الرفيع، والرؤية الواضحة.

لم يكن مجرد مدير عابر للتلفزة الوطنية، بل كان رجلًا من طراز نادر، تميز بفهم دقيق لخبايا المهنة، وحنكة صقلتها سنوات من التجربة والعمل الجاد.

عرف ولد أبي المعالي الصحافة في غثها وسمينها، والتقارير الاخبارية جيدها ورديئها ..والبرامج الموجهة والجادة ..

هذا الوعي هو ما جعله ينجح في قيادته للتلفزة الموريتانية، حيث شهدت في عهده نقلة نوعية، تمثلت في انتشارها الواسع داخل البلاد، وتوسيع دائرة بثها لتصل إلى أبعد نقطة في بلادنا ، مدافعة عن حضور الدولة في كل شبر من تراب الوطن.

ومن أبرز ما يُحسب له، تسويته لمظلمة المترشحين الذين نجحوا في مسابقة أجرتها التلفزة الموريتانية في وقت سابق، وظلت ملفاتهم معلقة حتى جاء المدير أبي المعالي، فأنصفهم ومنحهم حقوقهم، معيدًا بذلك الاعتبار لمصداقية المؤسسة ولثقة المواطنين فيها.

ورغم كل ما يكنّه لي من احترام، لم أحظَ بالكثير من الحظوة المادية في زمنه، وكان حذرًا في التعامل معي، ربما بسبب قرابة تربطني به، آثر معها التحفظ حتى لا يُؤوَّل أي موقف أو قرار. وفي الوقت ذاته، ظل كثيرون ممن تصدروا المشهد في عهده صامتين، لم ينبسوا ببنت شفة، رغم ما وُفّر لهم من فرص وما حازوه من امتيازات، وهذا ديدنهم في كل العهود: الحضور عند المكاسب، والغياب عند المواقف.

الجانب المهني للرجل  لا يكتمل دون النظر إلى الجانب الإنساني له. فقد كان دمث الأخلاق، سهل المعشر، واسع الصدر، لا يحمل حقدًا ولا يرد الإساءة بالإساءة. ومن القصص التي كنتُ شاهدًا عليها،

قصة زميل لي وأخ احترمه كثيرا  كان يكتب باستمرار عبر موقعه انتقادات لاذعة ضد ولد أبي المعالي، تصل أحيانًا حد الاتهامات الجائرة. حاولتُ ثنيه عن ذلك، مرارًا، لكنه أصرّ على نهجه العدائي .

مرت الأشهر، ثم اتصل بي هذا الزميل نفسه، يطلب وساطتي لدى ولد أبي المعالي في قضية إنسانية: السماح لسيارة أحد أقاربه بعبور الحدود نحو دكار، لأجل الاستشفاء في مصحة سينغالية، وكان ذلك خلال فترة إغلاق الحدود بسبب جائحة كورونا.

لم يتردد ولد أبي المعالي لحظة، بل بادر فورًا بالاتصال بسفيرنا في دكار، شيخنا النني، الذي تولى تسوية الموضوع، وتمت عملية العبور بسلاسة.

ذلك هو محمد محمود ولد أبي المعالي: إنسان لا يحمل الضغينة، ومسؤول لا يُقصر في أداء الواجب، وصحفي يعرف متى يكون القلم أداة بناء لا معول هدم.

لقد ترك بصمته حيثما حل، وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه عن قرب، أو لمس أثر عمله من بعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى