
في مشهدٍ نادرٍ لا يشبه إلا لحظات الوداع الصادقة، انهمرت دموع العاملين في المكتب الوطني للسياحة دون استئذان، كأنها انسكبت من قلوبٍ مثقلةٍ بالعرفان، لا من عيونٍ فاضت حزنًا فحسب.
تساوى في ذلك المتحدثون والخاشعون الحاضرون، فتأثر العاطفيون والأقوياء على حدٍّ سواء، وكانت المشاعر الطيبة الجياشة هي سيدة المقام.
كانت باحة الحفل أشبه بمرفأٍ مهيبٍ يودّع سفينةً قادها رُبّانٌ حكيم، بخبرةٍ وحنانٍ نادرين.
أكثر من خمس سنواتٍ جمعت تلك الأسرة الإدارية في رحلةٍ واحدة، لم تكن مجرّد ساعات عملٍ أو إنجازاتٍ مهنية، بل كانت حياةً كاملة تتقاطع فيها قصصهم الصغيرة داخل حكايةٍ كبيرةٍ عنوانها الوفاء والاحترام.
قضوا في المكتب وقتًا يفوق ما يمنحونه لأنفسهم وأسرهم، حتى غدت جدرانه شاهدةً على أفراحهم وأحزانهم، وعلى انتصاراتهم الجماعية التي كانت تُكتب بصمتٍ بين المكاتب والأوراق وابتساماتٍ متبادلة.
لم يكن المدير العام محفوظ ولد أجيد قائدًا إداريًا فحسب، بل كان حاضرًا في تفاصيلهم الإنسانية قبل العملية، يعرف ملامح كلّ واحدٍ منهم كما يعرف نبض المؤسسة التي حملها بين يديه.
كان يسير معهم جنبًا إلى جنب، يوجّه حينًا، ويواسي حينًا، آخر ، ويزرع الأمل دائمًا، في إدارةٍ لم تعرف الجمود ولا الرتابة، بل كانت ورشةَ حياةٍ نابضةٍ بالعطاء.
وفي لحظة الوداع، تحوّل المكان إلى نهرٍ من الدموع، كأن الطبيعة ذاتها تبكي رحيل رجلٍ لم يترك خلفه إلا الأثر الطيب.
حتى هو، الرجل القويّ المفوّه الذي عُرف بثباته وصلابته، شعر بغصّةٍ خانته عند الختام، فاختنق صوته قليلًا، ثم أنهى كلمته بنبرةٍ أبويةٍ حانية:
“احفظوا أنفسكم، وتمسّكوا بروح الفريق… فهي أجمل ما تركتُ لكم.”
وهكذا، غادر المكان تاركًا خلفه إرثًا لا يُقاس بالسنوات، بل بالقلوب التي نبضت حبًّا ووفاءً له، وبالعيون التي ودّعته على وقع نهرٍ من الدموع.




