آراء

كيف دخلت التلفزيون الوحيد؟ حين قال مدير الأخبار: أنت لا تصلح لتقديم نشرة الأخبار. الحلقة 5

وجدت مدير الأخبار بانتظاري في مكتبه، فقال لي بتوتر وهو يهم بالمغادرة:
– علينا إجراء اختبار التقديم أولا، تحرك بخفة وسرعة، فتبعته دون أن أنبس ببنت شفة.

جلست وقدمت موجزا معادا دون مشكلة تذكر، تسلم المدير الشريط الأزرق من نوع XDCAM وشاهده داخل مكتب زجاجي ضيق بعد أن أفسحت له عاملة المونتاج مكانا على الكرسي المجاور.

كنت أقف خلفه حين صرخت الموظفة – وكانت محجبة بشكل مبالغ فيه- وقالت بدهشة:
– واو، جئتنا بزنجي يتحدث العربية. لكنها تفاجأت عندما أجبتها قائلا بمرح:
– زنجي وأستاذ عربية أيضا.

لم أعد أذكر كيف كان ردها، ولا أستحضر أيضا تعليق مدير الأخبار، الذي أشار إليَّ أن أتبعه إلى مكتبه بالطابق العلوي.
بعد أن استعاد جلسته – التي بدا لي أنه لم يكن مطمئنا فيها- قال وهو يحرك يديه من المرفقين إلى الرسغين:
– لديك حضور جيد ولغة سليمة، لكن عليك أن تتحكم في خروج اللعاب من الفكين خلال القراءة. عليك أيضا أن تزيد من تفاعلك مع المشاهد وأنت تقدم الأخبار.
ثم استطرد:
– ينبغي لمقدم الأخبار أن يلعب دور المؤدي، وهذا يتطلب قدرا من الحيوية وحضور البديهة، إضافة إلى سلامة اللغة. وختم بالقول:

– سيتم إدراجك ضمن قائمة مقدمي المواجيز الإخبارية.

************
قدمت أول موجز إخباري بعد يومين تقريبا، لكنني سأستمر طويلا في القيام بهذا الدور، الذي امتد حوالي ثلاث سنوات، ابتداء من سنة 2008 وحتى 2011. وهو تجميد مزعج، دفعني في النهاية لاتخاذ قرارات كنت في غنى عن بعضها، فيما كان بعضها الآخر ضروريا جدا.

كنت أعتقد أنه من المشروع لأي مقدم أخبار، أن يطمح للانتقال من مرحلة تقديم المواجيز إلى تقديم النشرة الإخبارية الرئيسية، خاصة وأنني لاحظت مرارا استفادة بعض الزملاء من هذا الحق، فيما ظللت قابعا في دور مقدم المواجيز.

حصل مرات عديدة أن جاء بعدي زملاء إلى إدارة الأخبار، وبعد فترة تمنح لهم فرصة تقديم النشرة الرئيسية.

لذا قررت أن أبدأ بالخطوة الأولى – والتي كنت أعتقد أنها هي الأهم – وهي التحدث مع مدير الأخبار مباشرة، لكنه كان يمتلك دوما إجابة واحدة مقدمة بصيغ مختلفة. كان يقول أحيانا:

– لم يحن الوقت بعد، أو يقول مثلا ” مازلت بحاجة إلى تحسين أدائك” وربما تجاهلني تماما.

عندما كنت أتعلل بأن فلان أو علان ممن جاء بعدي أتيحت له فرصة تقديم النشرة الرئيسية، يلجأ المدير الطيب إلى تغيير الموضوع.

ذات مرة قرر الطيب أن يستجمع كل قواه، وأراد أن يكون هو نفسه. ثم قال لي في ذلك اليوم الذي يشبه مئات الأيام:
– فلان أنت لا تصلح لتقديم النشرة الرئيسية.
والمفارقة أن تلك العبارة لم تغير من موقفي تجاهه، ولا تجاه الأحداث، لأنني كنت حسمت أمري.

يذكرني اليوم أحد أقرب الزملاء السابقين إلى قلبي، بتلك الجملة، بعد أن أضحت لازمة لديه قبل تحية السلام، كأن يقول لي ضاحكا:
– فلان أنت لا تصلح لتقديم نشرة الأخبار، ثم يبدأ السلام.

*************
كنت في بعض المرات أستشعر مدى ثقل المهمة التي أطلب من مدير الأخبار، فأشفق عليه أنا الذي ينبغي أن أكون في موضع الشفقة.
والسبب، هو الحالة النفسية والشعورية التي أضعه فيها حينما أقابله في مكتبه.
كانت ملامح وجهه تنبئني بدرجة الكمد، والألم الداخلي الممض الذي يغالبه، فيخيل إليَّ أنه سيبكي خلال بروفة التبرير.

لن أنسى أبدا صوته الرخم حين يختلج، كما يتعذر علي نسيان مستوى الانشراح الذي ينتابه حين أقفل خارجا من مكتبه.
لكنني طالما احتفظت له في ذهني بصورة الإنسان الطيب، الضعيف والمقهور.
ذات يوم عادي، تطوع لي أحد الزملاء بسر – وكان لا يطيقه – فقال لي بتأتأة وسرعة في الحديث:
– مدير الأخبار يكرهك كما يكره الإنسان دم أسنانه.
التفتُ إليه بألم، وقلت بحسرة:
– هذا أمر عجيب. ثم سألته قائلا:
– ولم يكرهني؟
رد الزميل قائلا بتحامل:
– هو يرى بأن أمثالك لا يستحقون أن يكونوا هنا
– أمثالي ممن؟ سألته بدهشة.
سكت الزميل للحظة ثم قال بعجلة:
– باختصار، فلان عنصري.

صدمني كلامه بدرجة منعتني من التعليق.
وبعد أن غادرني الزميل، بدأت أحفر في مشاعري، وأسترجع المواقف التي جمعتني مع مدير الأخبار، لكنني – وأقولها بكل صدق- لم أجد في نفسي مثقال ذرة من كره، تجاه شخص مدير الأخبار.

بل إن شعور الشفقة والمودة أحيانا، ظل يجرفني بقوة تجاهه، وهي مشاعر ظلت تلازمني كلما نظرت في تجاعيد وجهه الخفيفة.
ربما زادت تلك التجاعيد

**************

لم أيأس ولم أستسلم، لأنني كنت أدركت مبكرا أن الوصول إلى أي هدف يتطلب نفسا طويلا، وإعادة المحاولة لمرات ومرات، وقد يتطلب تحقيق الهدف تغيير الوسيلة أيضا.
قال لي أحد الزملاء، وكان مخزنيا بامتياز:
– لم لا تبحث عن جنرال أو شخص نافذ، فمن دون ذلك لن تتقدم قيد أنملة.
ضحكت في سري، وقلت له:
– شكر الله سعيك، فأنا لا أعرف أي جنرال ولا عريف، وأعتقد أن الأمر لا يستحق كل ذلك.
سكت الزميل، ثم نظر إليَّ باسترابة وانصرف لحال سبيله، ولعله استنتج ضعف مسعاي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.

**************
لم يكن تقديم ثلاث أو أربع مواجيز إخبارية في الأسبوع يأخذ حيزا كبيرا من وقتي، لذا كان من الطبيعي أن يستهلك العمل في يومية الأخبار بصحراء ميديا وقتي الطبيعي، رفقة زملاء رائعين في أغلهم.

فتراجعت لدي أهمية تقديم تلك المواجيز، التي صارت بالنسبة لي مهمة روتينية أقوم بتأديتها بين مشوار صحفي وآخر.

وبقدر ما تراجعت لدي أهمية تقديم تلك المواجيز، أزداد تطلعي إلى تقديم نشرة تحظى بمتابعة حقيقية من قبل المشاهد.
من هنا قررت أن أتخذ خطوات أخرى تتجاوز مدير الأخبار المغلوب على أمره إلى مستويات أخرى، فهل سأوفق في ذلك هذه المرة؟

**************
طلبت لقاء أحد المديرين ممن تعاقبوا على إدارة التلفزيون، استقبلني جالسا، وسلم بتراخ شديد.
قلت له:
– السيد المدير، ليس من عادتي دق أبواب الإدارة، لكنني مضطر لذلك، فأنا أعمل بقطاع الأخبار مقدما للمواجيز منذ حوالي ثلاث سنوات، وأعتقد أنه حان الوقت لتغيير الوضع.

– ما لمطلوب مني إذن، قال بجفاف شديد، وهو يفرك عينه اليسرى
– المطلوب أن تبلغوا إدارة الأخبار بوضعي ضمن جدول مقدمي النشرات الرئيسية.
رسم ابتسامة على وجهه، وقال بهدوء قاتل:
– سمعت من أحدهم أن لديك مشكلة مع جهاز التلقين الإلكتروني Prompteur
استفزني رده بشده، فتمالكت نفسي مكرها، لكنني انتترت واقفا وأنا أحمل على كتفي الأيمن حقيبة تحتوي جهاز كمبيرتر من نوع Packard Bell ثم قلت بحدة:
– السيد المدير، أنا أعمل محررا بجريدة يومية منذ سنتين، وأقوم يوميا بطباعة وتدقيق مادة من ألف كلمة على هذا الكمبيوتر المحمول،
رد المدير قائلا بنفس الهدوء دون أن يغير جلسته:
– أهيه، سننظر في الأمر.
خرجت من مكتبه وأنا أطوي نفسي على خيبة أمل جديدة، لكنها خيبة ستدفعني إلى الخطوة التالية:

يتواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى