
إنه الزمانُ! بحرٌ لُجِيٌ مُزبدٌ يتقلب بالمرء في تابوت محكم فتُقِلهُ أمواجه الهادرة كل مرة على شاطئ من شواطئ الحياة ثمتقذفه حيث تريد هي وحيث لا يريد هو بالضرورة.
في ذلك المساء الحزين المفعم بذكريات البطالة والتسكع على موائد الكرام قررتُ ـ أو قرر الزمان عني وأسررتُها في نفسي ـأن أخوض مع الخائضين غمار الهجرة، أن أبحث عن مأوى للكريم في مناكب الأرض البعيدة، أن أعبر إلى نهاية الأفق إلىما وراء البحار.
سامحوني .. لقد ودعتُ بلادكم قبل شهر ودموعي تذرف على حبات رملكم التي حاولت عبثا أن أستخرج منها ومن داخلخنادق الأرض والأنفاق غرامات من الذهب سنوات من الصمود في وجوه سوافي “تازيازات” اللاسعة، فأدركتُ متأخراجدا أن ذهبَ “تازيازت” و“تيجيريت” و“الشكّاتْ” حكرٌ على المفسدين وشركات التنقيب العابرة للقارات.
سامحوني فلقد تأملتُ ذات مساء موج بحركم الأزرق بهدوء فقلت إنه البحر الأغنى عالميا بالأسماك وتفاءلتُ فيه كثيرا ،ولكن وبعد سنوات على ذلك الغروب الرومانسي المتفائل ما رأيتُ من تلك الثروة المزعومة سوى شركات محسوبة علىلصوص متواطئين مع الأجانب فأدركتُ ـ ويا ليتني أدركت مبكرا ـ أن البر و البحر ممنوعون في هذه البلاد على الطبقةالكادحة..
فسامحوني ـ معشر القابضين على ما تبقى من جُمَيراتِ الوطن المسروقة ـ إن تورعتُ عن مناصبكم الرسمية ذات المقاعدالمهترئة وهي المخصصة غالبا للمرتشين ومن مردوا على النفاق.
لا أخفيكم سرا أنني حين غادرتُ حزنتُ حد البكاء والعويل لمصير بلادٍ لا مكان فيها ـ غالبا ـ للعيش الطيب الحلال، فقلتُأتركُ هذه البلاد لمن اختاروا العيش على فُتات المفسدين الوالغين سرمدا في خيراتنا، السارقين سرا وعلانية ثرواتناوأموالنا، أو أتركها طوعا وتورعا للراضين بالعيش على بقايا مهور البغايا وما يحصلنه حراما من كدِهن الليليفي مخيمات “البوادي“.. أما طبقة الضحايا الكادحين فكان الله في عونهم.
يوم أقلعتْ بي الطائرة عن عاصمتكم الأرملة الثكلاء وليس في حقيبتي سوى ذكريات مريرة من الزمن البائس عشتخلالها أحفظ بيتا معزيا نفسي :
بلادي وإنْ جارتْ علي عزيزةٌ .. وأهلي وإن ضنُّوا علي كرامُ
كنت ـ وأنا في حَوْمتي الأخيرة ـ أرى من تحت جناح الطائرة أحياء البؤس في فقرهم المزمن، تذكرت نهيق حميرهموصياح ديكتهم سحرا وهي أكثر ما يزعج أحياء البورجوازيين المجاورة كل ليلة..
كنت ارى عاصمة عشتُ فيها سنوات أنتظر لقمة عيش تليق بسنوات الدراسة والشهادات التي كانت معي وانتظرت بهاالعمل لسنين قبل أن أمزقها لحظة إحباط وجنون لحظي ..
مشاعر مختلطة ومتناقضة تنتابني والغيوم البيضاء تسرق مني دور “دار النعيم” المتناثرة الحبيبة فأنا أحببت هذهالأرض حد التصوف، وعشت فيها صابرا سنوات الفقر الطويلة وما كنت أعتقد أنني سأغادرها تحت أي ظرف، ومع ذلكغادرتُها طوعا ولست نادما على ذلك..
عبرتُ سمواتِ افريقيا وآسيا وأوربا وعدت أدراجي مرة أخرى إلى أمريكا الوسطى ثم وجدتني فجأة بين مجموعة منالهاربين والمُهربين، أتسلق معهم شاهقات القِمم، وأحيانا أناطح غمار الموج في زوارق الموت مساءين متتالين.
في ليلة ليلاء مدلهمة أدلفتُ مع أحد المهربين غابة مخيفة بها أصوات مزعجة، فهمت من إشاراته (لا أعرف لغته ولاجنسيته) أن الغابة الصماء موحشة وأن أكون حذرا من الحشرات وربما الحيوانات المفترسة بتُ ليلي الطويل على وقعأصوات الحيوانات بكل أشكالها، أعطر جسدي بالمبيدات الحشرية دفاعا عن وجهي الشاحب وأقدامي المتورمة حتى كانتتباشير الصباح وما تحمله غالبا من تفاؤل.
دخلنا المكسيك قضينا أياما، اعتقل بعضنا واختطفت العصابات مجموعات منا، وأخيرا تحقق الحلم تسلقتُ الجدار .. وصلتُ “أرض المعاد” هنا وهنا فقط يمكننا أن نعيش على الأمل ..
إلى بلادي الحبيبة موريتانيا وإلى الأهل والأصدقاء وإلى الزوجة والأبناء كان الله في عونكم جميعا .. سامحوني .. أستودع الله بلادكم..



