
لم يكن جميل منصور يومًا سياسيًا عاديًا. تصدّر المشهد من بوابة التيار الإسلامي، تجذرت قناعاته منذ كان مراهقًا يقارع القوميين والكادحين في نقاشات ماراثونية، في الساحات وتحت الأشجار، وفي سهرات الكبات وأحياء الهامش.
كان رجل حوار من الطراز الرفيع. يعرف قيمة النقاش، ولا يفهم السياسة دون تدافع الآراء، ويرى في الصمت داخل مجالس السياسيين تراجعًا عن معنى السياسة نفسها.
جميل الذي عرف سجون ولد الطايع، ثم الغربة واللجوء، ثم السجن مرة أخرى عند عودته، وكان من أبرز مؤسسي حزب تواصل ورئيسه الأول، ومرشحًا لرئاسيات 2009، يجد نفسه اليوم في مساحة لا تشبهه.
بعد سنواتٍ من الموالاة، اتضحَ أنَّ الأغلبية لا تمنحه هامش الحركة الذي اعتاده. وحين ضاقت به المساحة، اختار أن يجمّد صلته بها.
في مقابلته الأخيرة، لم يقل جميل كل شيء، لكنه قال الكثير. وكثيرًا ما تكفي تلميحاته الخفيفة والذكية لتكشف ما يدور في ذهنه.
لا يمكننا القول إن جميل كان غاضبًا لأن الأعضاء الثمانية الذين اختارهم ائتلاف الأغلبية، وفق معيار حسابي جامد، ليس بينهم من يملك تجربة سياسية توازي تجربته.
طبعًا ليس من السهل أن تكون مرشحًا سابقًا لقيادة البلد، صاحب تاريخ طويل في تصدّر المشهد، ثم تجد نفسك خارج لجنة تشرف على حوار يُراد له أن يعيد رسم ملامح الدولة، وأنت صاحب رأي ورؤية.
كما لا يمكننا القول إن جميل منزعج من المعيار الذي برر به الائتلاف اختيار ممثليه في اللجنة، لأن البرلمان الذي احتُكم إليه انتُخب قبل أن يولد حزب جميل، أي أن الباب كان مغلقًا قبل أن يطرقه.. ولكن ذلك وحده غير كافٍ ليزعج جميل.
أعتقدُ أن معضلة جميل الحقيقية، هي أن العملة التي بحوزته لا تُصرف في سوق الأغلبية، وتاريخه السياسي الذي هو أثمن ما يملك، لا يُحتسب في مجالس الموالاة.
وكأنه ليصبح جزءًا أصيلًا من الأغلبية الداعمة للرئيس، سيكون عليه أن يتخلى عن تاريخه ولغته السياسية، وبعض قناعاته. ولا أعتقد أن جميل راغبٌ في ذلك، ولا حتى قادرٌ عليه.
لذا سيبقى أمامه أن يقبل موقعه الجديد ويدفع ثمنه: جزءًا من موالاة الرئيس.. ولكن!
وله أن يكتب ما يشاء بعد تلك “لكن”.
ولعل مما أراد كتابته في المقابلة الأخيرة، هو تذمر واضح من تصدر الموظفين للشأن السياسي، وغياب المرونة والنقاش والتشاور.. والأهم من كل ما سبق هو رفض المأمورية الثالثة.
إنَّ جميل حين تحدث عن المأمورية الثالثة تحدث بلسان المعارض لا بلسان الموالي. كان موقفه أقرب إلى بيانات المعارضة منه إلى خطاب الأغلبية.
ولم يشأ جميل أن يختار الصمت أو ترك الأمر للوقت المناسب.
لقد ذكرني موقفه من المأمورية بتصريح سابق أدلى به محمد ولد مولود، حين كان الجدل محتدما حول مأمورية ثالثة للرئيس السابق عزيز، دعا ولد مولود حينها إلى حوار يضمن خروجًا آمنًا لعزيز من السلطة، يضمن مصلحة موريتانيا واستقرارها.
الجديد هذه المرة هو أن جميل يقول رأيًا مشابهًا، ولكن من داخل معسكر الأغلبية، وهو الضيف الجديد، ومن المعروف أن البيت الذي يتجنب أهله الحديث في أمر ما، يصبح فيه الضيف الذي يتحدث عنه بصوت عالٍ ضيفًا مزعجًا.
لا دليل على أن جميل عُوقب على موقفه، لكن سؤالًا يجب طرحه بعد التطورات الأخيرة: ماذا بعد التجميد؟
حسب رأيي هناك ثلاثة احتمالات؛ أرجحها أن يكون التجميد ورقة ضغط مؤقتة، تنتهي بترضية في لجنة فرعية أو مقعد في جلسات الحوار. لأن حزب جميل لم يغادر الأغلبية، بل جمّد صلته بإطار الائتلاف.
والأقل ترجيحًا أن يقاطع جميل الحوار. يبدو ذلك غير مرجح لأن تاريخ جميل يشهد على مرونته السياسية، وبأنه لا يحب المقعد الشاغر، ولن يرفض مسارًا يضمن له الحضور، مهما كان حجم ذلك الحضور. إنه يكره الغياب.
أما الاحتمال المستبعد فهو أن يراجع موقفه من النظام كله، ويبدأ التفكير في العودة إلى المعارضة. لا يبدو ذلك خيارًا مطروحًا الآن.
شيء واحد مؤكد؛ هو أن جميل لاعب مهاري، فكيف ينوي مراوغة ثمانية مدافعين أغلقوا منطقة الجزاء في وجهه؟!
خمْ



