آراءتغريداتثقافة

فرنسا: شبح انهيار داخلي

محمد السالك ولد إبراهيم/ خبير استشاري دولي

تستقبل فرنسا شتاء عام 2026 وهي على شفا انهيار داخلي. فالاضطرابات الاجتماعية التي تشل البلاد منذ بداية العام الدراسي الجديد، تشهد على تلاقي عدة أزمات كبرى طالما خشيت منها السلطة التنفيذية.

إنه التلاقي المنذر بالاشتعال بين الهشاشة التي تعيشها غالبية سكانية سحقهم ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، وبين ثورة جموع الشباب المحبطين.

وبعيدًا عن أن تكون مجرد اضطرابات عابرة، فإن هذه الحركة الاحتجاجية، بحجمها المتفاقم ونطاقها الجغرافي المتسع وراديكاليتها الزائدة، أصبحت تشكل تحديًا وجوديًا لحكومة السيد سيباستيان لوكورنو، بل وللمأمورية الرئاسية الخمسية للسيد إيمانويل ماكرون نفسه، وهي مأمورية تقترب الآن من نهايتها.

1. آليات الأزمة: عندما يلتقي القلق بالغضب
تستمد الحركات الاحتجاجية الحالية قوتها من جذورها المزدوجة، التي تمزج بين قوة دافع الضرورة المادية للعيش وتفاقم تأثير الجمود المؤسسي، وذلك من خلال سلسلة من المعاناةتتمثل في :
– صدمة انهيار القوة الشرائية: لم يعد التضخم المستمر مجرد بيانات اقتصادية كلية، بل أصبح حقيقة قاسية يعيشها الناس يويميا. وهكذا مع خسارة متوسطة في القوة الشرائية تقدر بـ 1200 يورو لكل أسرة منذ عام 2024، أصبحت الطبقات المتوسطة والشعبية في حالة اختناق حاد. وقد أعادت هذه المحنة إشعال نار حركة اصحاب “السترات الصفراء” التي لم تنطفئ تمامًا، مما دفع المواطنين غير المنتمين إلى النقابات إلى النزول إلى الشوارع، حيث أصبحت إكراهات نهاية الشهر القاسية هي التي تحدد مسارهم السياسي؛
– المأزق الطلابي: في موازاة ذلك، انتفض طلاب المدارس الثانوية والجامعات ضد التدهور المزمن لظروف دراستهم والغموض الملحوظ في نظام “باركورسوب” التعليمي. �وما بدأ في سبتمبر بحصار المؤسسات التعليمية تحول بسرعة إلى حركة مجتمعية جذرية، مما أعطى الاحتجاج زخماً جديداً وديناميكية حضرية قوية.

وقد نجح شعار “توحيد النضالات” في حشد ما بين 550 ألف و800 ألف متظاهر في منتصف أكتوبر، وهو ما أدى إلى تشكيل جبهة مشتركة تضم مختلف الأجيال والفئات الاجتماعية والمهنية (الطلاب، والعمال ذوي الوظائف غير المستقرة، والمزارعون)، وهي جبهة عريضة ومتنوعة يصعب للغاية إخمادها.
2. الجغرافيا السياسية للاحتجاج: الدولة في مواجهة التوسع المناطقي:�تكمن خصوصية خريف عام 2026 في الانتشار شبه الكامل للحركة على المستوى الجغرافي. فالمحتجون لا يتخذون مركزًا واحدًا، بل هم ينتشرون عبر ثلاثة مسارح عمليات متميزة تستنزف قدرات الدولة وطاقاتها على تأمين حفظ النظام.

وتتمحور هذه الجغرافيا الاحتجاجية حول ثلاثة مسارح عمليات منفصلة تستنزف تماما قوات حفظ النظام وهي:
– بؤرة الاحتجاجات الحضرية (باريس، ليون، رين)، حيث يقوم الطلاب والنقابات والعمال بشل حركة النقل العام وإغلاق المؤسسات الجامعية، على خلفية أعمال عنف حضرية موجهة؛
– في الوقت نفسه، تشعل حركة تمرد المهمشين في المدن المتوسطة والمناطق الريفية، حيث تقوم مجموعات من المواطنين والمزارعين و أصحاب “السترات الصفراء” بتعطيل البنى التحتية اللوجستية الحيوية (مصافي النفط، نقاط تحصيل الرسوم، الدوارات)، مما يهدد بشكل مباشر سلسلة الإمداد الوطنية؛
– وأخيرًا، تواجه الأقاليم الخارجية (جزيرة لا ريونيون، جزر الأنتيل، إلخ.) حالة طوارئ مطلقة: فالسكان المحليون، الذين يثقل كاهلهم التضخم المستورد، يكثفون الإضرابات العامة وعمليات إغلاق الموانئ، مما ينطوي على خطر حدوث نقص في الإمدادات على المدى القصير جدًّا.
هذا التشتت والاتساع في جبهات المطالبة الاحتجاجية يجعل الاستجابة السياسية لها جد معقدة: فمثلا لن يؤدي التنازل بشأن نظام “باركورسوب” التعليمي إلى إخلاء دوارات الطرق الرئيسية من أنصار الحركة الاحتجاجية، كما أن تقديم مساعدة موجهة لقطاع النقل لن يهدئ غضب شباب باريس، وهكذا تتعقد إمكانية الاستجابة السياسية لهذه الأزمة المجتمعية المركبة.

3. ما بعد مايو 68: راديكالية ولدت من أجل البقاء:
إذا كانت صور الحشود الضخمة وتلاقي النضالات تدعو إلى المقارنة مع أحداث مايو 68، فإن التشابه يتوقف عند هذا الحد. ففي شوارع عام 2026، لا توجد أي يوتوبيا تحررية أو تطلعات لتغيير المجتمع.

إن المحرك الأساسي للحركة الاحتجاجية يكاد يقتصر فقط على غريزة البقاء، والخوف العميق من التدهور الاجتماعي، والريبة التي أصبحت منهجية تجاه المؤسسات العمومية.
ويترجم هذا الاختلاف في الطبيعة إلى تصعيد مذهل في حدة الصراع. وتشهد محاولات التوجه نحو مراكز السلطة (الإليزيه، ماتينيون) والاشتباكات العنيفة مع وحدات مكافحة الشغب التي تُستدعى بكثافة (مثل وحدة CRS 😎 على انقطاع الحوار الجمهوري التقليدي.

4. مأزق السلطة التنفيذية: إدارة الأزمة في ظل خزائن فارغة:
بالنسبة لحكومة السيد ليكورنو، تبدو المعادلة مستعصية. فعليها أن تتصدى لأزمة اجتماعية حادة في الوقت الذي لا تملك فيه أي هامش للمناورة في الميزانية، نظرا لجملة من الأسباب:
– فخ الديون: حيث تجد السلطة التنفيذية نفسها محاصرة وهي في خضم إعداد الميزانية. فالتخفيف من العبء الضريبي أو زيادة صرف الشيكات الطارئة من شأنه أن يزيد من تفاقم الدين العام الذي بلغ مستويات هائلة بالفعل، مما سيؤدي إلى غضب الأسواق المالية. وعلى العكس من ذلك، فإن الحفاظ على مسار التقشف يعني صب الزيت على نار الأزمة الاجتماعية؛
– نهاية العهد: أبعد من مسألة الميزانية، تعكس هذه الأزمة المركبة أن هناك نقصا في المصداقية السياسية. ومع اعتقاد ما يقرب من 90% من الفرنسيين في الإستبيانات، بأن البلاد “في حالة سيئة”، تواجه الحكومة رفضاً جماهيرياً واسعاً. وهكذا مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون، في عام 2027، أصبحت قدرة السلطة التنفيذية على تجسيد حل مستدام مهددة بشكل عميق.
وقد أصبح دور الدولة اليوم يكاد يكون محصوراً في إدارة الأزمات يوماً بيوم، في محاولة للحفاظ على النظام العام في مواجهة انفجار داخلي يهدد بإحراق نهاية المأمورية الرئاسة الخمسية. ولا شك بأن حل هذه الانتفاضة سيتطلب أكثر بكثير من مجرد تدابير مالية مؤقتة: فهو يتطلب إعادة صياغة عميقة للعقد الاجتماعي، وإلا فإن خريف عام 2026 قد لا يكون سوى مقدمة لاهتزازات كبرى قد تشهدها سنة 2027.

في النهاية، يمثل خريف فرنسا 2026 نقطة تحول فارقة. وما كان يمكن أن يكون مجرد توتر اجتماعي آخر، قد تحول إلى أزمة نظامية معقدة وخطيرة، يغذيها استنفاد النموذج الاقتصادي والتآكل العميق للسلطة السياسية. وفي مواجهة حركة لا تطالب باليوتوبيا مثل مايو 68، بل بمجرد ضمان مستقبل مادي كريم، يظهر الشطط والتطرف في تدبير الميزانية والإدارة الأمنية البحتة حدودهما القصوى.

وبالنسبة للسلطة التنفيذية، فإن الرهان يتجاوز الآن بكثير بقاء مشروع قانون الميزانية: فالأمر يتعلق بإعادة نسج عقد اجتماعي ممزق، وإلا فإن هذا الاستياء المناطقي العارم والمتوارث عبر أجيال، قد يتبلور بشكل نهائي في صناديق الاقتراع ويحدد نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى